الإثنين، 19 اوت 2019
مدينة سوسة والمنستير :معالم أثرية شاهدة على القيمة التراثية والتاريخية

مدينة سوسة والمنستير :معالم أثرية شاهدة على القيمة التراثية والتاريخية

نظمت مؤخرا وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية بتونس زيارة ميدانية خاصة بالصحفيين إلى مدينة سوسة والمنستير للإطلاع على معالمها الأثرية التي تعتبر كنوز التراث والتاريخ التونسي .

تندرج هذه الزيارة الميدانية في اطار البرنامج الوطني «مدن الحضارات» الذي تشرف عليه وزارة الشؤون الثقافية وذلك تنفيذا للاتفاقية الممضاة في مارس 2018 بين وزارة الشؤون الثقافية والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين. 

لقد كانت الرحلة الأولى إلى مدينة سوسة  لزيارة  المتحف الأثري بالمدينة الذي تم إنشائه سنة 1897، على جزء من القصبة التي بناها الأمير الأغلبي أبو العباس محمد.

يعرض المتحف مجموعة كبيرة من اللوحات الفسيفسائية التي عثر عليها اثناء عمليات التنقيب والحفريات المنجزة سنتي 1882 و1883 بمدينة سوسة وضواحيها وتبرز العديد من الفترات التاريخية والحضارات التي تعاقبت على  هذه المدينة.

حيث تم تخصيص القاعة الكبرى بمدخل المتحف لتقديم تاريخ منطقة الساحل وأبرز معالمها خلال فترة العصور القديمة و العصر الإسلامي.

الزائر إلى هذا المعلم الأثري  يكتشف لوحات فسيفسائية ومنحوتات وأثاث جنائزية وتماثيل ومسلاّت ونصب نذرية حجرية، وهي متأتية من مختلف المواقع الأثرية بمنطقة الساحل في العصور القديمة.

لقد تم عرض مجموعة الأرضيات الفسيفسائية العائدة الى العصر الروماني بأرضية القاعة، في مستوى منخفض مقارنة بمستوى حركة الزوار للإطلاع عن كثب تلك النقوش الفنية  التي تسافر بنا إلى عالم الجمال  والتراث.

كما نجد بالمتحف فسيفساء عملاقة نادرة تجسّد أسطورة ديونيزوس - ياخوس، في شكل بلاط فسيفسائي كبير.

ويوجد بالمتحف أيضاً صورة لرأس "أوسيون Océan " ، فضلاً عن عدد من اللوحات الأخرى التي تجسّد صوراً للعجوز "نيري Nérée وحفيدات أوسيون".

ويمكن للزوار عند مغادرة المتحف الإستمتاع بالنزهة داخل القلعة و بالمناظر البانورامية لمدينة سوسة العتيقة.

أما الرحلة الثانية كانت لقلعة الرباط أو رباط سوسة  التي تعتبر من أهم المعالم الأثرية التي تميز مدينة سوسة.

إن المتصفح للعديد من  الدراسات الأثرية  يستنتج أن الرباط يعود الى بداية القرن التاسع ميلادي شيده الأمير عبد الله بن ابراهيم بن الأغلب سنة 821 وتاريخ الانشاء مسجل على لوحة رخامية بأعلى مدخل المنارة ، أسلوبه المعماريّ فهو مستوحى إلى حدّ كبير من النمط الذي روّجه البيزنطيون،حيث يتكون المبنى من طابقين مفتوحين على ساحة تحيط بها من جميع جوانبها أروقة مقنطرة.

الزائر لمدينة سوسة لابد أن تكون له رحلة ولو قصيرة للجامع الكبير بسوسة الذي  يعود إنشائه الى سنة 851 في عهد الأمير الأغلبي أبو العباس محمد الا ان  هنالك العديد من التعديلات التي أدخلت عليه منذ ذلك التاريخ.

حيث زين الجزء العلوي للأروقة الأغلبية الثلاث وقاعة الصلاة بواسطة نقيشة كوفية ذات حروف مائلة تندرج ضمن شريط على شكل حوض.

خلال الزيارة صرح مدير عام الوكالة الوطنية لإحياء التراث والتنمية الثقافية كمال بشيني ان هذه الزيارة تندرج ضمن سلسلة من الزيارات المبرمجة لزيارة حوالي 54 متحفا ومعلما مفتوحا للعموم في البلاد التونسية وهي الزيارة الرابعة بعد زيارات ثلاث شملت معالم قرطاج والقيروان، والمتحف الوطني بباردو، وتستهدف تثمين التراث التونسي ومزيد التعريف به وتشجيع السياحة الداخلية.

الرحلة التالية كانت لمدينة المنستير المميزة  لاسيما بمعالمها الأثرية ،فالزائر لقصر الرباط بالمنستير يكتشف قيمة المعلم التاريخي في الجهة ،الذي بناه هرثمة بن الاعين سنة 180 هجري الموافق لـ796 م بأمر من الخليفة العباسي هارون الرشيد ،الذي كان حريصا على حماية مختلف المناطق في البلاد وخاصة الساحلية منها من الغارات البحرية للبيزنطيين.
رباط المنستير له دورا عسكريا مهما حينها على مستوى مراقبة زحف الأعداء والتخلص منهم قبل تحقيق أهدافهم كما لعب دورا علميا بارزا لاستقطابه أسماء معروفة على غرار أسد بن الفرات فاتح صقلية والطبيب أحمد بن الجزار والقاضي الأهبل إبراهيم الثاني والإمام ابن يونس الفقيه المالكي والإمام سحنون مؤسس الدولة الافريقية للقانون الاسلامي.

تعتبر المنارة من أهم مكونات قصر الرباط بالمنستير وهي على شكل اسطواني يتقلص سمكها في الأعلى.

يتخذ الرباط شكل قلعة مدعمة بأبراج مستديرة وأخرى متعددة الأضلاع،إنّه من أقدم وأهمّ البناءات الدفاعيّة التي شيّدها الفاتحون العرب في فجر الإسلام على طول السواحل المغاربيّة.

إضافة إلى الحجرات الصغيرة المخصّصة للمجاهدين المتعبّدين الذين كانوا يضطلعون بوظائفهم العسكريّة ويعكفون في نفس الوقت على الصلاة والتأمل.

بعد رباط المنستير إنطلقت الرحلة إلى متحف الزعيم الحبيب بورقيبة بصقانس هومتحف تونسي  مخصص للحبيب بورقيبة  أول رئيس للجمهورية التونسية بين سنة 1957 و1987 ،فهو مكسب وطني يضاف الى المسلك السياحي و الثقافي و إلى تراث المدينة و يحفظ الذاكرة الوطنية التي عرفتها تونس مع الزعيم بورقيبة باعتبار رمزيته التاريخية و اعترافا بالجميل له لما قدمه لتونس طيلة حياته، فضلا عن كونه يكشف جانب من الحياة الخاصة للمجاهد الأكبر الزعيم الحبيب بورقيبة الذي ناضل من اجل استقلال تونس و انتخب اول رئيسا لها. 

أفتتح  هذا المتحف يوم 6 أفريل  2013، بمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لوفاته فهو يظم أمتعته الشخصية الموجودة بالقصر الرئاسي  بقرطاج كألبومات الصور، تسجيلات خطبه، سيارته المرسيدس وغيرها من ممتلكاته الشخصية...
عند الدخول إلى بهو القصر تجد السيارة "المرسديس"  للزعيم الحبيب بورقيبة زعيم خلد حقبة تاريخية بأكملها على جميع المستويات إنها الذاكرة الوطنية التي إحتفت بتاريخ تونس في حقبة من الزمن.

إن الزائر  للطابق الأول من المعلم يكتشف قيمة هذا المعلم  كل قاعة منه تسافر بك إلى تاريخ جميل بأدق تفاصيله ، قاعات في ألوانها الزاهية و أروقة فسيحة وجدران مزخرفة بالمعادن الخزف والنحاس وغيرها من المعادن الثمينة.

عند الوصول إلى قاعة الاجتماعات يخيل إليك أنك تعيش تاريخا غير مسار البلاد التونسية آنذاك ، من هذه القاعة بالذات كانت تصدر القرارات المصيرية في تاريخ تونس .

في الجهة الثانية  نجد الفضاء الخاص بالرئيس الراحل والمتمثل في غرفة نومه وغرفة نوم أخرى لوسيلة بورقيبة زوجته .

كما أخذت مكتبته الخاصة حيزا من هذا القصر التي يتوسطها الكتاب الذي كان أهداه له الرئيس الأمريكي رونالد ريغن آن ذاك.

صمّم أثاث المكتب من خشب «الريو» والبرنز المذهب هذه المكتبته تدل على شغفه بالمطالعة والمسرح والشعروالآداب وتاريخ الحضارات.

فيما خصص الطابق الثاني إلى ابنته بالتبني هاجر والتي حافظت أيضا على كامل خصوصياتها.

وكأن المتحف فرصة هامة لمصالحة التونسيين مع تاريخهم مرحلة تتجاوز شخصية الحبيب بورقيبة لتتعداه إلى مرحلة تاريخية بما عرفته من نضالات وطنية وبحث متجدد من أجل تطوير المنظومة الفكرية والثقافية للإنسان التونسي.

قراءة 520 مرات آخر تعديل على الجمعة, 18 جانفي 2019 13:33
(1 تصويت)
قيم الموضوع

الموقع : https://www.facebook.com/nouveaumedi

رئيس تحرير جريدة الاعلام الجديد الالكترونية

الدخول للتعليق