الفكر

البطل والبطل المناوئ في مسرحية هاملت

إن الطابع الفني لجمالية حبكة النص التي بلور فيها (شكسبير) مفهومه الكوني لا لعصره وما إنتابه فحسب، انما تقدم برؤيته مستبقاً عصره، متجلياً بنحت انموذج راقٍ للتأمل ومحاولة فهم العالم وحركته وخلجات النفس البشرية وما يعتمل فيها من اضطرابات وصخب.

 إلا أن عقل (هاملت) كان المحور في استقراء المحيط والأبطال المناوئين له، فكان التفكير المستمر، شكلاً من اشكال التعبير عن التأمل والانفراد بالذات ومخاطبتها بحثاً عن حقيقة غائبة أو فكرة في طور السيرورة.

 إن هذه المسألة طرحت في حوار هاملت وتحديداً في مشهد الكينونة (أكون أو لا اكون) ان خيمة التفكير والسواد والحزن الشفاف الذي لف (هاملت) طيلة أيام وإنعزاله عن حالة الفرح والصخب، هذا الأمر دفع الشخصيات الأخرى الى اتهامه بالجنون، وما هي الا قناع آخر للتأمل أسوة بأقنعة الآخرين المموهين للحقيقة.

 إلا أن قناع (هاملت) هو لإكتشاف الغامض والغوص في لجته، رغم حوار (الشبح) الصريح معه، لكن الطابع الفريد لشخصية منسوجة على التأمل، لا تكتفي بسماع الحقائق فحسب، وإنما تمحيصها وما يلمسه فعلاً ويدركه فعلاً، انما يكون الحقيقة، على العكس من شخصيات اُخر، فقد تأتيهم المعارف والمعلومات، يسمعونها لكنهم لايتخذون موقفاً إزاء مايحصل لهم، (هاملت) يبحث بنفسه، ويجتهد أن يعيد تنظيم العالم، بوضع استراتيجية جديدة، القصد منها ايقاف استراتيجية (العم – كلوديوس). ان البرامج التي يعدها البطل، انما تأتي تعبيراً عن جوهر التفكير الاستقرائي، وبهذه الصيغة أعاد كتابة حوار المسرحية داخل مسرحية، وراح يلقن الممثلين كيفية الاداء التمثيلي.

 باختصار أخذ يلملم أطراف الحوار بين الممثلين من أجل الوصول إلى الحقيقة ويدهش (هاملت) عندما يرى الممثل وقد بلغ به الانفعال مبلغاً عظيماً بينما هو ليس بقادر على الغضب.

إلا ان استراتيجية (هاملت) العقل وديمومة التفكير هي التي شكلت ديدناً في أس وجوده. فالانفعالات ماهي إلا لحظات تنفجر، ليهدأ كل شيء ويبقى الوضع على ماهو عليه وكأن شيئاً لم يحدث ولن يحدث.

 في القصر المشيد على الدسائس والخيانات والمؤامرات، وهذا مايحطم وجوده البشري، ولهمالت شعور ودائرة من العلاقات المرتبطة بأبيه وحبه له و (أوفيليا) الرقيقة التي إرتبط بشفافيتها التي سرعان ماغدرت به، فأصبحت الواشية عن هاملت التابعة لآبيها مبررة ذلك بالواجب لابالرغبة.

وبذلك تقطعت سبل الحياة بوئام مع من يحب هاملت، (فهاملت الاب) قتل بخيانة كما صرح الشبح بذلك والحبيبة انتهكت عهد الحب بالولاء لأبيها (بولونيوس) وبدوره كان بيدقاً بيد الملك (كلوديوس).

 إن دائرة العلاقات التي تحرك القصر، أضحت ملوثة والشخصيات تمكر وتغدر، كما فعل (بولونيوس) باختبائه بغرفة الملكة خشية (هاملت) واندفاعه الجارف بعد مشهد المسرحية داخل مسرحية، أي بعد أن تجلت صورة الملك (كلوديوس) بكونه قاتل أخيه.

 ولم يستطع اكمال المسرحية، فصاح وإرتجف وغضب وأوقف العرض المسرحي وأصبحت حقيقة جريمته واضحة ومعلنة للعيان وكما وردت على لسان “الشبح” ويلاحظ أن اندفاع هاملت الصاروخ لايشبه حالة التأمل فالحقيقة أضحت ناصعة، لالبس فيها ولامجال للشك، بأن عمه قاتل وان أمه خائنة، وكاد يجهز عليها في مخدعها لولا ظهور (الشبح) من جديد ومنعه لهاملت أن يقترف خطيئة قتلها وانما تترك لمصيرها ان استراتيجية (هاملت) تواجه بقوة استراتيجية (كلوديوس) وكلاهما يحرك محيطه من أجل تحقيق ذات البطل، و(هاملت) لايمثل شخصه فحسب.

 وإنما يمثل ذات جمعية بأفق واسع انه يعبر عن روح العصر الذي يحياه ويليه، فالبحث عن حقيقة الوجود وكينونة الإنسان في عالم يتلاطم ويتصارخ ويكشف عن سلسلة جرائم متنوعة وغريبة، إن إماطة اللثام عن هذه الحياة المزرية تدريجياً، عزز من موقف هاملت، بوصفه متأمل عصره وكاشفاً عن تطلعات الثواب والعقاب، كما حدث بعد الإنتهاء من مسرحية داخل مسرحية، واذ بعمه راكع يصلي وقد واتته فرصة الإجهاز على عدوه اللّدود.

لكن تأمل (هاملت) العقلي أوصله إلى نتيجة، فإن قتله وهو يصلي سيدخله للجنة بينما (هاملت) اراد له جهنم، لهذا السبب يتركه (هاملت) منتظراً فرصة اخرى ليجهز عليه.

 إن تأملات هاملت، تعدت الحياة وراحت تبحث في السماوي أيضاً.

 إن انفتاح التفكير والعقل المستنير، شكل ثورة تسري في تحطيم برامج البطل المناوئ، فكل خطة تواجه بخطة وصولاً إلى المبارزة، وما تم تدبيره ليقتل (لايرتس) بسيف مسموم غريمه (هاملت) وتلك كانت ضمن استراتيجية (الملك) للتخلص من (هاملت) فضلاً على كأس السم..

 وتنتهي الاحداث وإذ بالبطلة تموت وأمه وعمه وبالتالي، يسدل الستار على عالم عاج بالخراب، فهاملت استطاع جرجرة ولملمة وزج كل الإطراف وضمها بقوة لتياره بعد أن ادرك بعمق، فساد هذا العالم وخرابه. تجدر الإشارة الى أن طابع الشخصية المتأملة من الناحية الفنية لايشكل حراكاً للاحداث، إلا في مسرحية (هاملت)، فالحراك يتوقف على ديمومة التأمل واستشرائه والبحث عن اليقين الذي ضاعت ملامحه واضحى طلسماً، وكأن (شكسبير) عبر عن روح عصر النهضة برمته، فالماضي لم يعد مصدر ثقة البشر، وتجلى ذلك في القطيعة معه، فتطلعات الإنسان انفصلت عن الموروث الذي تعاقب قروناً طويلة، والتطورات ساهمت بتغيير صياغة التفكير بما يحيط الإنسان، إلا ان اشكالية انسان تلك الحقبة التاريخية، انه يجهل المستقبل بعد أن أداروا ظهورهم للماضي.

 فالمستقبل أصبح شكلاً من أشكال المجهول الذي يحمل العجيب والغرائبي والمدهش وغير المتوقع.

إن آلية إشتغال البطل وإستماتته منأجل بلوغ الحقيقة، مثلت عصراً بعينه، وبذاك كانت مسرحية (هاملت) نواة عصرها وجوهرته.

 لكن المدهش، ان النص كشف عن عمق آخر، بشري كونها صاغت التطلعات البشرية لعصور لاحقة، فهاملت البطل اختزل المشروع البشري في أفعاله وبذلك صار عصارة التفكير المستحب في البحث والتنقيب وبالتالي الكشف عن الحقيقة وإعادة صياغة العالم. وبذلك نمت شخصية هاملت في عصرها ومالحقه باعتباره صورة كونية، على الرغم من كونه يحيا في عالم صلب وترسانة من الجرائم والدسائس.

وعليه فان البطل كان يحمل الكثير في جنباته مايجعله مشروعاً لاستراتيجية أفكار عصور وحقب لاحقة، وبذلك ضمت عباءة هاملت المتأمل والمستوحد، افكاراً لاحقة ستبنرغ، أو في طريقها للتكون ويضمها في تموجات تأملاته التي أتسعت وشملت كل مايطرأ على الحياة الإنسانية من تغيرات.

وبذلك فإن صورة (هاملت) تكبر وتتسع لتضم اللاحق في طور تكونه ووجوده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق