آراء

البطالة الكافرة… عائق لتحقيق الطموحات

آلاف بل عشرات ومئات الآلاف يكابدون بطالة قسريّة فرضت عليهم فرضا، وكرها وقهرا، مئات الآلاف من الشباب والكهول من أصحاب الشهائد العليا من حملة “الدكتوراه” إلى “الماجستير” مرورا بـ “الأستاذيّة” وصولا إلى درجة “الإجازة” أو من حاملي الدبلومات المهنيّة وجماعة الحرف و”الصنايع”،هؤلاء الذين لا يحملون سوى طموحهم في ما يسدّ الرمق ويوفّر القوت وضرورات المعيشة البسيطة، كلّ أولائك وهؤلاء مضامون مقهورون وتائهون ضائعون في ملكوت الله لا يعلمون أيّ السبل سالكة يقصدون فلا شهائد “شفعت” ولا دبلومات “برّرت” ولا صنائع “برهنت” ولا طموحات وعزائم لتوفير لقمة الحلال بعرق الجبين “غفرت” و”أعذرت”.

البطالة في البلاد منسوبها في ازدياد وشبحها المخيف يهدّد الأجيال المتعاقبة جيلا بعد جيل ولا حلول جديّة وجذريّة في الأفق ووعود وتعهّدات والتزامات كلّها في مهبّ الرّيح و”أكتب على الحوت”، العاطلون ينتظرون وينتظرون حتّى شقّ عليهم الانتظار وعفّ الصبر عن الصّبر، كيف لا والوظائف المعروضة في القطاع العامّ تعدّ على أصابع اليد والمناظرات والانتدابات “فيها وعليها” ولا تحظى بثقة طالبي الشغل إلى يوم النّاس هذا، كيف لا والمحاباة والمولاة والمحسوبيّة في التوظيف يكشفها السياسي نفسه وصاحب المنصب إذا تخاصم مع معارضه أو منتقده ومخالفه في التوجه والإتجاه، كيف لا والأبواب موصودة بإحكام في وجوه “الزواولة” ومن لا يملكون إلاّ أنفسهم وشهائدهم، العاطلون سئموا من أوضاعهم وانسلّ إليهم يأس يؤوس وهم يرون على مرمى بصر الأسلوب ذاته المعتمد لا تبدّل فيه ولا تغيير، فالبارحة واليوم سواء والعملة الرائجة ظلت على حالها فقط باختلاف اللّون من “بنفسجي” إلى “أزرق” وربّما في قادم الأيّام “أصفر معصفر” وتصبح تأشيرة الانتداب والانتفاع بالتوظيف والتشغيل “من لم يكن صيداويّا فلا يدخل إلى عريننا”.

ملفّ البطالة في تونس في هذه المرحلة بالذات لم يعد “ساخنا” أو “حارقا” فحسب وإنّما “خطيرا” و “مدمّرا” و”قاتلا” ،فالبطالة في بلادنا صبرت حتّى كفرت، وخرج كثير من العاطلين من عقولهم ونسوا ما تعلّموه ومحي من ذاكرتهم ما درسوه وما ذكّروا به، ومنهم من فقد الوعي المجتمعي و”دخل وخرج في الحلّة” وصار يهذي ماشيا في الطرقات على غير هدى، ومنهم كفاءات أفنتها المقاهي وأهلكتها الخصاصة والفقر حتّى ركنت إلى العدميّة وأصبح من أصبح منها “وحوشا” كاسرة بعد أن انزلقت إلى مستنقع “اللاّعودة”، مستنقع فيه القتل والتفجير والذبح بدم بارد وكأنّ شيئا لم يكن، وكثير من خيرة أبنائنا نفقدهم في غفلة منّا أو “يتحوّلون” عن آدميتهم دون رغبة منهم ولكن في سهو أو تغافل من عائلاتهم ومجتمعهم وسلطات البلد.

والغريب أنّ أصحاب الشأن من المسؤولين في الدولة والسياسيين ومن لفّ لفهم كثيرا ما يعمدون إلى “تغطية الشمس بالغربال” ويدورون ويلتفّون من أجل أن يدفعوا بالبطالة وتشغيل العاطلين “المتراكمين” إلى خارج الأولويّات دون أن يعلموا حقيقة أنّ البطالة بما فيها من فراغ الوقت وخواء الجيب وما يصاحب ذلك من نزعة العدوانيّة والشّعور بالنقص والإقصاء والتمييز في المجتمع وفي المحيط الحياتي القريب وداخل العائلة، ودون أن يعلموا أنّ البطالة هي سبب مباشر وعامل قويّ ومؤثّر في ارتماء العاطل في حضن الإٍهاب بعد السقوط بيسر في شراك الاستقطاب والانزلاق بسهولة في براثن التطرّف، فعدد لا يستهان به من خريجي الجامعات ومن حاملي شهادات الباكالوريا والحاصلين على دبلومات مهنية رفعوا أو هم يرفعون السلاح في وجه الدّولة أو المجتمع.

حريّ اليوم وبلادنا تقطع أولى خطواتها في طريق البناء وتركيز المؤسّسات أن تعي جيّدا وتضع في الحسبان أنّ الأغلبيّة الغالبة والنسبة الكاسحة لمن أجرم في حقّ النّاس وأرهبهم ومن قتل و”ذبح” هم في الأصل “بطّالة” عاطلون لا شغل ولا مشغلة، و الشّاخص للعيان أنّه لم يحصل و أن أرهب عامل من العمّال أو إطارات من الإطارات أو حتّى “خدّام حزام” أن تجاوز الحدود أو انتهك الأعراض إلاّ ما قلّ وندر وشذّ و” الشّاذّ يحفظ ولا يقاس عليه”.

وإذا كان الحكّام ومسؤولو الدولة في الرّئاسات الثلاث وأعضادهم ومستشاروهم، وإذا كان الاستراتيجيّون والمختصّون والمستشرفون والخبراء والمحلّلون على اختلاف أصنافهم في مجالات السياسة والاقتصاد والمجتمع، إذا كان كلّ أولائك وهؤلاء أجمعوا الرأي وتوافقوا على كون المرحلة القادمة اقتصاديّة بامتياز وأنّ كسب تحدّياتها رهين النّجاح في إرساء انتقال اقتصادي ذا جدوى فإنّه عليهم الوضع في الاعتبار أنّ الفترة المقبلة هي أيضا اجتماعيّة وبامتياز بالنظر إلى الأوضاع الاجتماعيّة التي ما زالت على اضطرامها واهتزازاتها وعلى صفيحة بركانيّة متحرّكة قابلة للتفجّر في أيّ لحظة سيما في وضع عامّ يتسم بالهشاشة.

المرحلة القادمة هو أولاّ وقبل كلّ شيء بالتمحيص والتدبير في معالجة ملفّ البطالة المتفشية في أوساط مختلف الشرائح الاجتماعيّة والفئات العمريّة في جميع دواخل وسواحل البلاد ومختلف مناطقها وأحيائها وقراها لا اختلاف ولا استثناء، المرحلة القادمة نجاحها الحقيقي رهين كسب تحدّي التشغيل وتصريف الأمور في الاتجاه الصّحيح في تقليص معضلة العطالة التي تفتح على ما لا يحمد عقباها، فهي منطلق كلّ الشّرور ومنبعها.

ولا مجال للحكومة سوى أخذ الأمر على محمل الجدّ والتعجيل بالتّ في بطالة أبت إلاّ أن تكون قدرا مقدورا على فئات ابتليت بمعضلتها من منذ سنين خلت، وضروري جعل إيلاء العاطلين الإهتمام المنشود وجعلهم في صدارة الأوليّات وتضمينهم في البرامج والتوجهات المزمع تجسيمها خلال الخماسيّة المنتظرة، وحريّ بنا جميعا أن نعي تمام الوعي بأنّ “البطالة من جنس الجوع كافرة” بل وأكثر من ذلك “بوّابة الإرهاب المفتوحة”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق