الثلاثاء، 19 سبتمبر 2017
أحزان المتنبي وحرائق الغربة

قدمت مسرحية (احزان المتنبي) للكاتب علي حسين واخراج جبار المشهداني ، ضمن فعاليات المدى والاسبوع الثقافي المقام في أربيل ونهض بالأداء نخبة من الفنانين وهم : عبدالخالق المختار ، سامي قفطان ، اسيا كمال ، رائد محسن ، شعاع ومازن محمد مصطفى .

وقد إختار المخرج المسبح الفارغ من الماء والموجود في فسحات فندق الشيراتون في اربيل.  وقد قسم المسبح الى قسمين : الاول – بمثابة حلبة مسرح أما الأخر فكان مكان الصالة إذ وزعت الكراسي التي جلس عليها الجمهور ، والى جانب ذلك فأن الجمهور احاط بالعرض من الأماكن الثلاثة المحيطة بالمسبح .

وانطلق العرض من حريق شارع المتنبي)، المستمد اصلا من حدث حقيقي لحريقين سابقين وقعا في الشارع الثقافي النابض بالحياة ، وقد عبر عن الحريق من خلال الكتب المتطايرة في الهواء والتي تناثرت اوراقها وعمت المكان، وكان ذلك تعبيراً عن إفلاس المعرفة وفقدان جذوتها، مثلما هو تعبير عن فقدان وانتزاع للجذور المعرفية ، لحياة عجت بألوان الثقافة والمعرفة لمدينة تأريخية مثل بغداد . وظهر ابطال العرض ، وكل يحمل بداخله نشيجه الذاتي وغنائيته لهذا الحدث الجلل .

 فالمتنبي ظهر متباكيا ، والرجل الذي طاف بين الجمهور في اعلى المسبح ، في مونولوج داخلي وكأنه مقطوع الصلة بالأخرين وكذا الحال مع المرأتين والرجلين والآخرين. لقد كانت الكارثة – الوضعية الاستهلالية بمثابة إنطلاقة للحدث الذي توزع باتجاهات متعددة ومتوزعة ، وكأن المشاهد والحوارات مقطوعة الصلة ، إلا انها جزء لا يتجزأ من عملية التشظية التي انطلق منها العرض – حريق شارع المتنبي .

إن صياغة الحدث ، على هذا النحو ، اتاحت للمؤلف والمخرج ، ايضا ، ضم وزج العديد من الموضوعات بوصف بنية العرض وتتميز بالتوالدية في ضوء الحريق ، واذا كانت للأبطال صفات كالمرأة ، الرجل ، الا ان المتنبي وصف بأسمه لأنه اتخذ من المتنبي واحزانه ، وشارعه ، منطلقا ، لهذا ، فقد كان باستطاعة المخرج اللعب باكثر من صيغة على وفق منظور بنية حدث العرض .

إلا أن الشكل الفني والجمالي ، كان سائبا غير متحكم ، ويعود ذلك بتقديري الى خلل في بناء النص ذاته ، الذي انسحب بدوره لضعف في تركيب العرض جماليا ، لذا جاء معظم الحوارات بصيغة مباشرة ، فضلا عن عملية اقتحام الممثلين للجمهور ، وكأن المخرج اراد ان يقول : ان الحدث – الحريق هو الاساس والجوهر ، وانه يعني الجمهور ، لذا، جاءت بعض الحوارات لتدغدغ الجمهور ومشاعره المتعاطفة أصلا مع شارع المتنبي بوصفه، رمزاً للذاكرة الثقافية البغدادية – العراقية ، فضلا عن كون الثقافة صارت هدفا للتدمير والتمزيق والتهشيم .

وجاءت بعض الجمل، مثل التماعات النيازك ، في تأثيرها العاطفي واتسمت بشاعرية الموقف ، كأن يقال عن الطفل الذي خطفه الموت ، ولم يبق غير قميصه المدمي ، انه اراد شراء ممحاة ليمحو الراء من كلمة حرب ومن المسطرة لرسم سارية العلم العراقي .

إن بنية العرض كانت بنية مفتوحة ، فبالقدر الذي تكون فيه امكانية الانفتاح على الاحداث وتنوعها والتعريج على المواقف المختلفة بوصف الحدث – الحريق ، كان في شارع المتنبي ذاته . وهذا يعني امكانية التوزيع وخلقت ثيمات متجاورة متعددة ، الا ان وحدة الموضوع واحدة ، تمثلت بالحريق ، غير ان ذلك لم يمنع حالة العزلة والاعتزال ، والانكفاء حول الذات وتشرنقها فالابطال اتسموا بتفردهم بالعزلة ، واحساسهم المرير بالخيبة وكأن حريق شارع المتنبي ، كان بمثابة دق ناقوس الخطر لفقدان جذوة الحياة ، ومهر جديد مضاف لضياع الانسان اكثر مما هو ضائع ومستلب ، بوصف الثقافة اكثر المراكز حيوية في وجود الانسان وربما الاكثر رسوخا في ثبات موقفه ، ازاء حياة تعج بسرطانية الموت والاقتتال ، حد الجنون .

ورغم محاولة (المشهداني) الخروج بالعرض لمنطقة التأثير ، بدءاًً بأيجاد بديل لمكان العرض – المسبح والشريط السينمائي الذي شكل استهلالا للعرض الذي قدم بطريقة غير متقنة في جوف المسبح في مكان حلبة اللعب ولم يكن مؤثرا جماليا .

وعلى الرغم مما بذل من شد ومحاولة خلق ايقاع متسارع بين الممثلين أو في اسلوب اداء الممثل الواحد ، إلا أنها كانت محاولات مخلصة للملمة العرض وخلق تيار من التأثير العاطفي وتنشيط الذاكرة العراقية، التي تحس اصلا بالاسف واللوعة والاحباط ، وربما كانت صرخات المتنبي المستغيثة وهو ينادي العزيز الجليل ملتمسا الخلاص، اكثرها تأثيرا من لوعة الاحباط والنكوص والشعور بالأنهيار ود نو الموت وتآكل الانسان في ظل وضع المرارة التي يحياها ، وحتى الرجل المسافر الذي جاء وبيده حقيبة سفر يجرها ، وهو يرى الحريق ، هذا الرجل العراقي احس بغربته من جديد فحزم امره ، وعاد من حيث أتى ، فصار العراقي يحس بغربته داخل الوطن ، وبقى مكتوباً عليه ان يحيا ويظل يقارع الطرقات ومن غربة الى غربة .

وفي لحظة من لحظات العرض شكلت ريح الطبيعة جزءا لا يتجزأ من متن بنية العرض المسرحي ، واحدثت تأثيرا جماليا اكبر مما هو متوقع ، فضلا عن كونه غير مصمم له فقد غطت اوراق الكتب التي تناثرت داخل المسبح ، وفجأة اخذت الريح الهابة ، تحرك الاوراق ، وتطايرت ، واحدثت خشخشة وشكلت علامة سائبة تتحرك ضمن العرض واكتسبت حضورا وفعلا وأضحت قيمة جمالية لم يتم الاعداد لها . ان العرض المسرحي ، بحاجة الى دراسة وبحث وتعمق ، ولما كانت بغداد مكان التمرين ، فأن العقبات اكبر مما يمكن تصورها ، لهذا ، فأننا نحيي الجميع فعلى الرغم من حرائق بغداد وانفجاراتها فقد تحدوا الموت وقدموا عملهم ، وليس عيبا ان يكون ضعيفا فأن الاكتمال الجمالي ، بحاجة الى استقرار وتمعن .

 

قراءة 1432 مرات آخر تعديل على السبت, 10 أكتوير 2015 13:02
(1 تصويت)
قيم الموضوع
الدخول للتعليق