الأحد، 19 نوفمبر 2017
عيد الجلاء.....ترحما على الشهداء

 كتب سيف الدين عريبي-تونس

ككل سنة، تحتفل تونس في 15 أكتوبر بذكرى عيد الجلاء، كمناسبة للوقوف عند تضحيات رجالات من زمن الكفاح، وردّ الجميل لإرادة شعب أبيّ هبّ بكل أجياله وفئاته من مختلف الجهات للدفاع والذود عن حرمة الوطن وتحريره من ربقة الإستعمار. ولا يمكن تجاوز هاته الذكرى المجيدة دون الترحّم على الأرواح الزكية لليوث الصدام وجند الفداء، لما أبدوه من بسالة وشجاعه أثمرت الجلاء التام للجيوش الفرنسية عن أرض الوطن.

 معركة بنزرت أو ما تسمى ب «حرب الجلاء» محطة متميزة في تاريخ بلادنا الحديث، تستدعي الوقوف عند ذكراها، والبحث في تداعياتها واطوارها، وإن كانت محفوفة بالعديد من الإشكاليات حيث أطلقت العنان لأقلام المؤرخين والنقاد للغوص في تفاصيلها العميقة والبحث في تداعياتها ومحاولة اماطة اللثام عن أسرارها، والوقوف عند اسبابها وكفرصة لتمجيد شهدائها. حيث تناقضت المواقف تجاهها، بين من يرى من معركة بنزرت، معركة «بورقيبة».

 كان بالإمكان تفاديها، وبين من يرى فيها معركة شعب وان كانت كلفتها باهظة الثمن، فإنها حتمية وضرورية اذ أثمرت الجلاء التام للقوات الفرنسية عن بنزرت بإعتبارها جزء لا يتجزء من هذا الوطن. بادئ ذي بدئ، نقف عند الظرفية التاريخية والتداعيات التي مهدت لهاته المعركة، لنقف فيما بعد عند تناقض الأراء حولها.

إن الفترة الممتدة بين سنتي 1956 و1961 فترة هامة ودقيقة جدا في تاريخ البلاد التونسية، حيث كانت الدولة فتية ولم تستكمل سيادتها على كامل التراب التونسي، الأمر الذي استوجب مواصلة النضال لتحقيق هذا الهدف، خاصة وأن فرنسا ماطلت في الايفاء بالالتزامات المترتبة عن بروتوكول الاستقلال وأصرت على الابقاء على جيشها بعدة قواعد عسكرية استراتيجية.

كانت بنزرت أنذاك تضم أكبر قاعدة عسكرية فرنسية، نظرا لموقعها الاستراتيجي.

وجد الحبيب بورقيبة نفسه بين المطرقة والسنديان، فمن جهة كان يسعى لاستكمال السيادة التامة على البلاد ومن جهة أخرى كان يراهن على فرنسا عدو الأمس كشريك وحليف اليوم للمساعدة في بناء الدولة الجديدة، دون غظ النظر عن موجة الانتقادات الحادة من القاهرة بزعامة صالح بن يوسف.

سرّعت أحداث ساقية سيدي يوسف في فيفري 1958 أين قام جيش الطيران الحربي الفرنسي بقصف المدينة الحدودية لمعاقبة تونس على احتضانها لجبهة التحرير الجزائرية، في المطالبة بجلاء الجيوش الفرنسية عن كامل التراب التونسي، وكان لبورقيبة ما أراد، باستثناء بنزرت، وأعتبرت خطوة هامة في نظر بورقيبة باعتبارها مرحلة يجب كسبها والبناء عليها، فذلك كثيرا ما تجسد في سياسات رجل يؤمن بسياسة المراحل : أي اكتساب مرحلة تهيئك وتمنحك إمكانيات أكثر لإكتساب المرحلة التي تليها. في ذاك الزمن، كانت بنزرت تضم أهم قاعدة بحرية وجوية لفرنسا خارج ترابها، باعتبار موقعها الاستراتيجي وتعلق فرنسا بحربها في الجزائر.

حيث لم تتردد حكومة باريس في مقايضة بنزرت بمساعدات مالية، مستغلة الأزمة الخانقة التي تمر بها تونس لكن بورقيبة رفض ذلك، وفي المقابل كانت ضغوط المعارضة شديدة على بورقيبة خاصة من القاهرة أين يوجد ألذ أعدائه السياسيين «صالح بن يوسف» الذي ما انفكّ ينتقد سياسة بورقيبة والتشكيك في الاستقلال والى حد اتهام بورقيبة بالعمالة.

أنذاك، في ماي 1961 أعطت فرنسا فرصة لبورقيبة لإعادة تصعيد الموقف بشأن بنزرت حين قامت قواتها المرابطة بالمدينة باجراء اشغال توسعة للمطار العسكري بثكنة سيدي أحمد ببنزرت، ليعتبر بورقيبة انطلاق الأشغال خرقا جديدا للسيادة التونسية، وقررت الحكومة أن تمنعها عن طريق حفر خنادق حول القاعدة وبناء جدران في محيط القاعدة وهو ما اعتبره الفرنسيون بدورهم بداية لعملية حصار لا يمكن السماح بها. اتخذ مسار الأحداث نسقا تصاعديا سريعا، لتعم المظاهرات الحاشدة كافة أرجاء البلاد ولتعلوا حناجر التونسيين هاتفة «الجلاء.. الجلاء». تسارعت الأحداث وازداد الوضع سوءا بالإعلان عن قطع العلاقات مع فرنسا والاستعداد لبدأ المعركة.

لبّى ألاف المتطوعين نداءات بورقيبة وحزب الدستور بالتوجه الى بنزرت مسلحين بالكثير من الحماس وبقليل من العتاد. لتقع المواجهة ببن جيش تونس الناشئ مدعوم بجماهير شعبية مجرّدة من السلاح وبين القوات الفرنسية التي لم تتردد في استعراض قوتها ونزلت الى أرض المعركة بكل ثقلها العسكري.

زحفت القوات الفرنسية خارج القاعدة مدعومة بالمدرعات وتقدمت باتجاه المدينة وبدوره حثّ بورقيبة الجيش التونسي على الأستبسال في القتال، لتتحول المواجهات الى حرب شوارع حقيقية وكثف الطيران الحربي الفرنسي قصفه الجوي وعاث في المدينة فسادً، وتضاعف عدد القتلى في صفوف التونسيين رغم ما أبدوه من شجاعة في القتال والذود عن حرمة تراب الوطن لتروي دماؤهم الزكية أرض بنزرت وساحاتها وأنهجها لتكسى المدينة بلون دماوهم الطاهرة موقينين رغم سواد سمائها بدخان القصف الحربي الفرنسي أن الليل سينجلي وأن القيد سينكسر. تواصلت المواجهات الى حين صدور القرار عدد 164 عن مجلس الأمن الدولي يوم 22 جويلية 1961 القاضي بالوقف الفوري لإطلاق النار بعد ما كان ذلك اليوم الأكثر دموية في المعركة.

رغم ما ابداه الجيش التونسي والجماهير الشعبية المنتفضة من شجاعة وحب للشهادة في سبيل تحرير الوطن، فإن الخسائر كانت فادحة، حيث اضطرت بنزرت الى دفن العدد الكبير من الشهداء في مقابر جماعية لتقام لهم في ما بعد نصب تذكاري تخليدا لذكراهم. اثر ذلك، انطلقت المفاوضات بين حكومة بورقيبة وحكومة باريس تحت رعاية دولية، ليقع في 4 أكتوبر 1961 الإعلان عن الموعد المقرر لجلاء الفرنسيين عن التراب التونسي.

ليأتي 15 أكتوبر 1963 كتاريخ لجلاء أخر جندي فرنسي عن الأراضي التونسية ويكون يوم تقام ذكراه كل سنة كتتويج لنضال أفواج من الوطنيين. أصبحت فيما بعد أصابع الاتهام موجهة لبورقببة باعتباره تورّط في حرب لم يخطط لها جيدا ولم تدرس بحكمة وتروّى خاصة أنه عاد للتفاوض من جديد مع حكومة باريس لنيل الجلاء التام عن بنزرت وكامل تراب الوطن.

حيث يعتبر الدكتور رشيد التراس وهو من رجالات معركة بنزرت وأحد قادتها الميدانيين أنه كان بالامكان تجنب هاته الحرب وتفادي ازهاق الأرواح فيها، ذلك لأن موجةالاستقلال بدأت تعم في العالم بعد اقتتاع الغرب بحق الشعوب قي تقرير مصيرها، كما أن لقاء بورقيبة مع «شارل ديغول» في «رومبويي» عكس رغبة فرنسا في الوصول الى اتفاق حول بنزرت خصوصا وأنها كانت تربط ذلك بخروجها من الجزائر. في حين يرى المناضل والمؤرخ الأستاذ رشيد الذوادي أن «معركة بنزرت معركة شعب» .

فهي معركة كغيرها من المعارك جسدت طموح التونسيين في الاستشهاد والبذل والتضحية. فما وقع في بنزرت هو من قبيل الاعتداءات والجرائم البشعة على شعب أعزل وعلى دولة ناشئة ترنو الى تحرير أرضها. معركة بنزرت ستظل معركة حاسمة جسدت حب التونسيين لوطنهم.

معركة بنزرت.. انها حكاية طويلة» هكذا عبّر بورقيبة عن ذكرى تلك الأيام الحواسم في حديث الحنين واستحضار الملاحم الكبرى من تاريه البلاد مع والي المنستير محمد الحبيب براهم أين كان مقيما بدار الوالي أخر سنين حياته.

فعلا انها حكاية طويلة، نحيي ذكراها بشعور بالفخر والولاء لهذا الوطن ومناسبة لتذكير الأجيال الصاعدة بهاته الحلقة المتميزة من حلقات تاريخ البلاد مترحمين على أرواح الشهداء ومناسبة لتكريم من عاشوا تلك الملحمة الشريفة ولازالوا بيننا تختلجهم مشاعر الحنين والفخر على تلك الأيام، آملين في الا تضيع تضحياتهم مهب الرياح وأن تضل البلاد حرة تقدمية ومستقلة. لا يسعني وأنا أقدم هذا المقال الا وان اعبر عن بالغ امتناني لرجالات من زمن الكفاح لا ولاء لهم الا لتونس ومجدها بين الأمم. أهديهم هاته الكلامات لعبد المجيد بن جدو التي لاطالما ترننتها حناجر الوطنيين في هذا البلاد. « بني وطني يا ليوث الصدام وجند الفداء.

نريد من الحرب فرض السلام ودفعوالعداء. لأنتم حماة العرين الأباة نشدتم لدى الموت حق الحياة.. مدى ومدى وكنتم تريدون سبل النجاة ورسل الهدى فلو كان للخصم رأي سداد وعقل يميل به للرشاد ويردعه عن ركوب الردى.

لما اهتار نهج الوغى والجلاء وسالت هباء دماء الابرياء أردنا الحياة ورمنا العلاء وفي حقنا لا نخاف البلاد ومن دمنا صبغنا رداء رفعناه فوق البلاد لواء فماس به الأفق حين بدا فإما حياة وإما فلا.

وعن ثغر بنزرت نبغي الجلاء، فلسنا نعيش ونحيا سدى. فمغربنا يا فرنسا غدا ينادي الجلاء الجلاء الجلاء.

قراءة 2311 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 13 أكتوير 2015 11:48
(1 تصويت)
قيم الموضوع

الموقع : www.new-media.tn

contact@new-media.tn

هيئة تحرير جريدة الاعلام الجديد الالكترونية

الدخول للتعليق