ثقافة الإعتذار

تخيل عزيزي القارئ أنك كنت تمشي في الطريق رفقة صديق لك و تتحدثا، و بينما أنت كذلك إذ بشخص مار بجانبك يحمل حقيبة ثقيلة جدا يضربك بها على رجلك، فتحدث لك ألما شديدا على مستوى ساقك،تخيل معي جيدا كمية الغضب و الغل اللذان يملآن عينيك و أنت تلتفت له و ستبدأ في شتمه.. غير أنك ترى وجها مبتسما يقول لك بكل أدب و لطف "عفوا سيدي لم أكن متعمدا، أرجو أن تكون بخير ، أعتذر مرة أخرى".

 من المؤكد أن كل ذلك الإنزعاج سيزول مباشرة و تجدك تبتسم له و تنسى ألمك و يمضي كل في حال سبيله.

ما الذي غير مجرى الأحداث بكل هذه البساطة ؟ ما السر ؟ إنه الإعتذار ! إن للإعتذار سحر خفي يلامس بل و يؤثر في جوارحنا و عقولنا الباطنة ، و بذلك يقتل كل مشاعر الحقد و الكراهية و السواد بداخلنا .

ففي عصرنا الحاضر أصبح مدى تحضر الشعوب و تقدمهم يقاس بمدى تفشي ثقافة الإعتذار فيهم .

إن الإعتذار يمكن أن يتجسد في جميع المواقف الحياتية التي نمر بها كل يوم ، و الإعتذار غير مقتصر في حال خصام أو شجار كبير ، فهو خلق سام ، نبيل و مترفع عن كل إبتذال .

غير أنه و إن أردنا أن نكون موضوعيين أكثر في نقدنا للواقع ، نرى أن الإعتذار أضحى سلعة نادرة في أيامنا هذه.

بل إنه أصبح يعتبر نقطة ضعف و نقص عند صاحبه.

و بذلك جنينا مجتمعا مفرغا هزيلا بلا روح و بلا لب ! الكل يخطئ و هذا مقبول فالخطأ بشري لكن الكل يرى نفسه على حق و يرفض الإعتذار و هذا حتما غير مقبول.

لو تعمقنا أكثر في هذه الظاهرة الإجتماعية من زاوية بسيكولوجية فسنجد أسبابا عدة تحول دون تفشي هذه الثقافة، ألا و أولها الأنانية المفرطة و سيطرة "الأنا الأعلى" عند الأفراد. فالغطرسة و تضخم الذات الذي أصبح مرض العصر يساهم بشكل أو بآخر في الابتعاد عن التسامح و الاعتراف بالخطأ.

الإعتذار ثقافة و الإعتذار عقلية 

و هذا يعود أساسا إلى طريقة التربية الأسرية و الأخلاقيات التي ينشأ عليها الطفل قبل خروجه للشارع و دخوله في معترك الحياة.

من الأسباب أيضا عدم قبول الآخر و عدم المقدرة على العيش في ظل الإختلافات و الفوارق العرقية و المذهبية و الفكرية و غيرها...

فالهوة التي يصنعها سوء التواصل و التعايش بين الأفراد تصنع جدارا عازلا للاعتذار و التسامح بينهم.

من الدواعي كذلك لتجنب الإعتذار هو سوء الظن بالآخر و توقع السلبي السلبي قبل الايجابي . إذ أصبحنا اليوم نعيش أزمة ثقة معلنة.

كي نكون ايجابين لن نكتفي بالجانب المظلم في الموضوع بل سنحاول إيجاد حلول عملية لتفشي هذه الثقافة.

أولها و أهمها كسر العلاقة العمودية بين الوالدين و الأبناء و تعميم الإعتذار لكل مخطئ فلا حرج في أن يعتذر الوالد لٱبنه أو ٱبنته بمجرد إرتكاب خطأ في حقهم.

بهذا الشكل السليم من التربية يمكننا أن نضمن جيلا قد تشبع بمبادئ التسامح و طلب العفو .

ناهيك عن تكريس هذه الثقافة بين الطبقات السياسية ، فطلب العذر من زميل أو منافس سياسي لا يقلل من الهيبة أو الشخصية بل على العكس فذلك يعتبر من رفعة الخلق و سمو الذات.

إذ أن الطبقة السياسية ترسم ملامح المجتمع و تعبد الطريق الذي سيمشي عليه بقية الشعب و بذلك لها تأثير واضح و جلي عليه.

لا نتسى أيضا دور وسائل الإعلام في توجيه الرأي العام و التأثير على سلوكيات المواطن، فمن شأنها أن تركز على هذه الثقافة من خلال البرامج التي تبثها و تدخل بها لبيوتنا دون إستئذان و في أي وقت..

فيا مرحبا بهذه البرامج إن تكن إيجابية و هادفة من قبيل بث روح التسامح و طلب العفو و الإعتذار.

إن أردنا الحوصلة نقول أن الإعتذار في حد ذاته لا يعني تبرير موقف ما بخلق أعذار ، بل إنه تمازج رائع ما بين رفعة الخلق و التعايش السلمي بقبول الآخر و احترام الذات البشرية.

 

قراءة 5805 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 14 أكتوير 2015 15:14
(1 تصويت)
قيم الموضوع
الدخول للتعليق