الأربعاء، 22 نوفمبر 2017
مسـافــرون !!

مسافرون .. يا تُري إلي أين سيكون السفر ؟!!.. إنها القاهرة   المزدحمة والفسيحة بمدنها الصناعية ، القاتلة للهدوء ، الباعثة للصخب والأدخنة السوداء الضارة بصحة مريديها وساكنيها !!.. ومن أين أتوا ؟! من بعض مدن الجمهورية ، وخاصةً دلتا مصر وما حولها من بقاع ..

وما الدافع لسفرهم ؟! إنه السعي وراء الرزق وإكتساب قوت اليوم !! ، وما نوع ذلك السفر ؟! إنه سفر يومي يبدأ باليقظة المبكرة قبيل فجر كل يوم ، وينتهي مع عودة المسافرون لبيوتهم في ظلام ليالي الشتاء وسكونها !! ، وكم المدة التي يستغرقها هؤلاء المسافرون في سفرهم ؟! تراهم جالسين علي مقاعد أتوبيس العمل ، لزمن يقارب الساعتين ذهاباً ، ثم تزداد الساعتين لتصل - أحياناً - لثلاث ساعات عند عودتهم ، إذا ما ازدحم الطريق وأصبح بطيئاً في حركة سيره كالسلحفاة !! و يبدأ بعضهم رحلة نوم تنتهي بوصولهم لمقر عملهم .. وبعضهم يظل متيقظاً ، منشغل بقراءة القرآن الكريم ، ثم تلحظ فئة أخري ، قد عزفت علي تصفح الانترنت من خلال هواتفهم المحمولة ، لأجل تهوين معاناة السفر اليومي .

مسافرون .. حرمتهم أقدارهم من لذة النوم ، لإستيقاظهم المبكر، حتي صار السفر عندهم كالكابوس المفزع ، تستحسهم قد سئموا من شكوي الطرقات المزدحمة عن آخرها بوسائل المواصلات الصانعة للأذي النفسي بضوضائها الذي يؤذي آذانهم ، ومن أدخنتها التي تستنشقها أنوفهم ، فلا تجلب لهم إلا الضرر والمرض ، أما أعينهم ، فقد إستسلمت لليأس ، وباتت تسترجي سويعات من النوم ، بحثاً عن حِفنة من الراحة والهدوء !!

مسافرون .. ولو كان عندهم بديلاً عن السفر ما سافروا.. فكلهم أماني لأجل فرصة عمل قريبة ، داخل مدنهم التي تفتقر لفرصة عمل ذات دخيل وفير ، بلا جدوي مما يحلمون به !!

 يا لها من كَبَد متكاثر ، مقترن بأزمة وقت ضائع في هذا السفر ذهاباً وإياباً .. وأنفس تحلت بالحلم لأقصي درجاته ، وإتكئت علي عصا الصبر الجميل ، لمواجهة مشقة سفر لا تنتهي آهاته .. مسافرون لا يرون ضوء النهار في بيوتهم إلا يوم أجازتهم الأسبوعية وفي أعياد الدولة الرسمية .. وإن كان لديهم أجازات سنوية فهم محظوظون ، ورغم ذلك فإن أكثرهم يقضون يوم راحتهم في النوم العميق ، الذي تكون أجسادهم أحوج إليه من الطعام والشراب !! .. ولو أرادوا أن يصلوا أرحامهم أو يتزاوا ، فلا يحدث هذا إلا بشق الأنفس .. فلا وقت لديهم لحضور مناسبات فرح أو حزن أو مواساة لقريب أو لجار، أو لصديق ، فالسفر اليومي يأكل نهار اليوم وليلته !!

 حالة لغوب مؤلمة للأنفس والأجساد ، مقلقة للراحة ، صعبة الوصف تلازم هؤلاء المساكين المسافرين .. عندما تجدهم يستيقظون مع قرآن الفجر، وفي الظلام، يبادرون بتجهيز ما يلزمهم من طعام، يكفي لإفطارهم وغدائهم بمكان عملهم، ثم يغادرون بيوتهم، ويتقابلون في شوارع قراهم ، جميعهم يهرول، متخوفاً أن يتأخر عن العمل.

حقا نحترم الفتيات اللائي خرجن في مطلع الفجر، لأجل السفر والعمل مثلهن مثل الشباب، يعقبن خطوات زملائهن في الشوارع، متسترات بهم، مطمئنات بوجودهم أمامهن، فلا تدري – عزيزي - لأي ظروف خرجت تلك الفتيات للعمل، ولعلها المسؤولة عن أسرتها البسيطة، التي تحتاج للمال لأجل العلاج قبل المأكل والملبس. مسافرون .. ترتعد أجسادهم من برد الشتاء ، يخرجون من بيوتهم في الشوارع التي أرهقتها الأمطار والأوحال ، وقبل أن يشع نور اليوم، وربما تجد علي نفس المنوال ، أُلوف العمال ، الذين يتركون ديارهم ، ويذهبون إلي حيث كان الرزق المقدَر بحول الله .. ومعظمهم يقضون ما بين ثماني ساعات ، ربما تصل لإثني عشرة ساعة داخل مكان العمل ، إما واقفون أو جالسون أو متحركون هنا وهناك ، وقد تكيفت أجسادهم علي التعب ، وصارت الراحة لهم كالعملة نادرة الوجود !!

يعود المُسافرون لبيوتهم ليلاً ، ليجد كل منهم ، أهل بيته نيام ، أو في حالة قلق وإنتظار وخوف علي إبنهم المسافر ، وتزداد مساحة الخوف علي الفتيات المسافرات للعمل ، ومشاركة الأسرة نفقات الحياة .

مسافرون ، حتي في رمضان .. تحملوا السفر، والعطش مع الصيام صيفاً وشتاءاً ، وكثيراً ما كان يؤذِن للمغرب ، وهم عائدون في سيارة العمل ، وسط الطريق المكتظ  بالسيارات التي تحمل مئات المسافرون أمثالهم ..

مسافرون .. وعلي دربهم  تجد أفواجاً غفيرة تسافر بالقطارات ، وسط زحام الركاب الشديد ، والوقوف طوال الطريق داخل عربة القطار بلا حراك ، ويزداد تعبهم في سفر الحر الشديد صيفاً ، دون شكوي مما هم فيه .. فبماذا تفيد الشكوي ؟!  إنها لقمة العيش جمعت السُعاة لأجلها .. ولعل السعي علي الرزق أينما كان ، هو خير من القعود علي المقاهي وفي الطرقات ، أو ملازمة كل عاطل أو رفيق سوء .. 

قراءة 4744 مرات آخر تعديل على السبت, 02 جانفي 2016 12:29
(1 تصويت)
قيم الموضوع
الدخول للتعليق