السبت، 22 سبتمبر 2018

التّبذير في رمضان:ثلث ما يطبخ يلقى في النّفايات

بحلول شهر رمضان الفضيل تصارع أغلب العائلات التونسيّة من أجل مجابهة ضغط القفة الرمضانيّة التي تختلف موادها ونوعيتها عن سائر أيام السنة حيث يجد التونسي نفسه وجها لوجه أمام شطحات الأسعار وانخرام قدرته الشرائيّة ليزداد الوضع سوءا جرّاء انفلات الشهوات ليسقط في فخّ التبذير والإسراف بلا موجب، هذا السقوط الذي يخلّف في كلّ عام انعكاسات جدّ سلبيّة على الأسرة وعلى المجتمع ويطال ضرره الإقتصاد الوطني.

قبل حلول شهر رمضان بأسابيع، كشف طارق بن جازية المدير العام للمعهد الوطني للاستهلاك أنّه خلال الشهر الكريم يرتفع استهلاك الخبز في تونس بمعدل 135 بالمائة للخبز الصغير (باقات) مقابل تراجع الخبز الكبير بـ 38 بالمائة وأنه يتم يوميا في تونس انتاج 6.7 ملايين خبزة منها 3.9 ملايين خبزة كبيرة و 2.7 مليون "باقات" محوّلة انطلاقا من 6.5 ملايين قنطار من الفارينة.

معدل إنفاق التونسي على الأكل فقط  يساوي 29.4 بالمائة

 أكّد  أيضا "طارق بن جازية" في تصريح سابق أنّ نسب التبذير ترتفع إلى أعلى مستوياتها في رمضان وأنّ معدل انفاق التونسي على الأكل يزيد بـ 29.4 بالمائة أي ما يعادل 786 دينارا لكل فرد وهو ما يجعل ثلث هذا المبلغ الذي يتم القاؤه في المزابل يرتفع سنويا الى 28.8 مليارا، ودعا "بن جازية" المستهلك التونسي الى الابتعاد عن التبذير الغذائي في هذا الشهر الذي يتقلص فيه الاستهلاك في الاصل نظرا الى تراجع الوجبات من 3 الى وجبتين، موصيا بتجنب "اللهفة" بالنظر إلى أن الحاجيات لا ترتفع خلال شهر الصيام وأن مقاومة الشهوات ضروري من أجل التحكم في ميزانية الاسرة وتجنب الإختلالات وسلبياتها.

ولاحظ "بن جازية" أن التونسي يعد مستهلكا كبيرا للخبز وان معدل استهلاكه السنوي يبلغ 70كلغ مقابل 58 كلغ للفرنسي و 62 كلغ للمواطن الجزائري، وان مصاريف التونسي على الخبز سنويا تبلغ حوالي 200 دينار لكل أسرة.

وقد أظهرت دراسة أعدتها "منظمة الأغذية والزراعة" (الفاو) أنّ التونسيين يلقون سنويا ما يناهز 130 مليارا في المزابل منها 30 مليارا من الطعام و وما يناهز 100 مليار من الخبز "البايت"، وأنّهم يلقون في النّفايات ثلث ما يطبخون وأنّ هذه النسبة تتجاوز ذلك بكثير خلال شهر الصيام، في حين بيّنت نتائج دراسة أنجزها المعهد الوطني للإستهلاك بالتعاون مع غرف المخابز أن التونسيين يلقون يوميا ما يعادل 300 ألف دينار من الخبز "البايت" في المزابل وهو ما يعادل 100مليار سنويا، حيث كشفت الدراسة أنّ هذا التّبذير لا يخصّ فقط الاستهلاك المنزلي بل أيضا المطاعم والنّزل و المبيتات.

إستهلاك المواطن التونسي للخبز...

ينتفع المستهلك التونسي بمعدل 33 دينارا من الدعم للخبز و 84 دينارا سنويا بعنوان دعم المواد الغذائية (سكر وزيت نباتي)، وتبعا لتفاقم ظاهرة تبذير الخبز في تونس برزت في السنوات الأخيرة تجارة الخبز "البايت" إذ يُباعَ كيس الخبز البايت وزنه 50 كلغ بين 15 و20 دينارا كعلف للماشية، ويعادل 1 كلغ من "الخبز البايت" 4 كلغ من العلف الحيواني.

ويذكر أنّ دراسة أنجزها المعهد الوطني للاستهلاك تستند إلى أرقام إنتاج الخبز واستهلاك الأسر والمطاعم والمستشفيات والمطاعم الجامعية والوحدات السياحية والسجون أثبتت أن تبذير الخبز بلغ حدود 900 ألف خبزة في اليوم، أي ما يعادل قيمة 300 ألف دينار يوميا و100 مليون دينار في السنة.

دعم الخبز يعيق الصندوق العام للتعويض

ذكر المدير العام للمعهد الوطني للاستهلاك أن مصاريف الصندوق العام للتعويض ستصل سنة 2016 إلى 1650 مليون دينار منها 887 م د للقمح مقابل 447 م د سنة 2007 ومشيرا الى أن دعم الفارينة المعدة لتصنيع الخبز مرّ من 116.4 م د سنة 2013 إلى 120 م د سنة 2015 وقال ان السعر الحقيقي للخبز الكبير من دون دعم يبلغ 465 مليما للخبزة الواحدة (دعم في حدود 235 مليما) إذ تباع للعموم بـ 230 مليما فيما تباع "الباقات" للعموم بـ 190 مليما وبدعم بـ 84 مليما أي أن سعرها الحقيقي 274 مليما.

وأفاد "طارق بن جازية" أن تونس تورد 80 بالمائة من حاجاتها من القمح اللين أي أن 4 "باقات" من جملة 5 تعتبر موردة كما أن واردات تونس من القمح تمثل لوحدها أكثر من 51 بالمائة من الواردات الغذائية، مشيرا إلى أنّ المعهد الوطني للإحصاء بالتعاون مع البنك الإفريقي للتنمية أنجز دراسة أبرزت ان دعم الخبز يساهم في التقليص بنسبة 1.2 بالمائة من نسبة الفقر في تونس.

استراتيجية وطنية خماسيّة

قال "بن جازية" إن استراتيجية التحكم في التبذير ترمي إلى حفز السلطات العمومية على تبني أصناف جديدة من الخبز على غرار الخبز المصنوع بنسبة 30 بالمائة من مادة النخالة و 70 بالمائة فارينة والذي يحتوي على قيم غذائية هامة ويساهم في تقليص مصاريف الدعم وكذلك التقليص من التبعية وتوريد القمح اللين، إلى جانب مرافقة أصحاب المخابز في تحسين جودة الخبز وإدماج السلطات العمومية في مقاومة التبذير في المطاعم الجامعية والمستشفيات والسجون.

ومن المنتظر أن تستغرق الإستراتيجية خمس سنوات (2016 /2020) وسيديرها المعهد الوطني للاستهلاك، حيث من المزمع خلال سنة 2016 الجارية مواصلة تنظيم الحملة التحسيسية والخطة الاتصالية المرسومة وانجاز بحث ميداني حول تبذير الخبز، كما سيتمّ خلال شهر جوان الحالي تنظيم دورتين تكوينيتين لفائدة أصحاب المخابز بالتعاون مع الغرفة الوطنية النقابية لأصحاب المخابز حول التقنيات الجديدة لتحسين جودة الخبز.

إستعدادات وزارة التجارة

قال وزير التجارة "محسن حسن" في ندوة صحفيّة عقدها بمقرّ رئاسة الحكومة يوم 31 ماي 2016 أنّ كلّ المواد الأساسية متوفّرة ولا خوف من نقص التزوّد، وأنّه تمّ تأمين مخزونات تعديليّة بقيمة 50 مليون دينار وذلك بالنسبة لبعض المواد الإستهلاكيّة الأساسيّة منها الحليب والدواجن والبطاطا والبيض، معلنا بالمناسبة عن قرار تركيز 17 نقطة بيع من المنتج إلى المستهلك في مختلف أنحاء الجمهوريّة وأنّ السعر المطروح سيكون في متناول الجميع وأن الزيت المدعّم سيباع في هذه النقاط.

ودعا "محسن حسن إلى تجنّب "اللهفة" و"التبذير"، مؤكّدا أنّ الحكومة التونسيّة اتخذت كلّ التدابير للتحكّم في الأسعار بعد أن اتخذت كلّ الإجراءات الخاصّة بترميم القدرة الشرائيّة للمواطنين خاصّة عبر الزيادات في أجور القطاع العامّ وإسهامها الفاعل توصّل الأطراف المعنيّة إلى إمضاء الزيادات في أجور العاملين في القطاع الخاصّ، اضافة إلى اعتماد اجراءات جبايّة تراعي الفئات الهشّة.

المراقبة الإقتصاديّة في الموعد

وأبرز وزير التجارة المجهودات المبذولة من قبل جهاز المراقبة الإقتصادية الذي يضمّ حاليا 600 عون وإطار يعملون على مدار الساعة في كامل تراب الجمهوريّة لتأمين سلامة العمليات التجاريّة والإستهلاكيّة وذلك بالتنسيق والتعاون مع اللجان ذات العلاقة ومع منظمة الدفاع عن المستهلك تجنّبا لكلّ ضرر قد يلحق بالإقتصاد الوطني أو قواعد المنافسة الشريفة، مشيرا إلى أنه تم للغرض الإتفاق على تركيز قاعة عمليات تعمل بالتنسيق مع المصالح فرق الرقابة الإقتصاديّة والصحية والمصالح الأمنية.

وقدم السيد محسن حسن بالمناسبة محاور الخطة الإتصاليّة التي أعدتها وزارة التجارة لترشيد الإستهلاك من ذلك تنظيم خيمة تحسيسية بكلّ من العاصمة والمنستير في إطار شراكة مع منظمة الدفاع عن المستهلك مع تنظيم حملات تحسيسيّة للحدّ من تبذير الخبز وإنجاز دورات تكوينيّة للمهنيين للتصرف السليم في مادة الخبز وعدد من المواد الإستهلاكيّة الأساسيّة الأخرى.

قفة نموذجية

وينتظر كثير من التونسيين التفعيل الجيّد لما يعرف بـ "قفة رمضان النموذجيّة" وذلك من أجل مزيد ترشيد الاستهلاك في رمضان، حيث نجحت تجربة هذه القفة التي يشرف على إعدادها المعهد الوطني للإستهلاك ساقا، وتضم كل حاجيات الاسرة المتكونة من 4 أفراد تضم اللحوم والسمك والخضر والغلال والعجين والزيت والطماطم، وهي صالحة لأسبوع بكلفة لا تتجاوز 84 دينارا.
كما يتمّ إعداد هذه القفة النموذجيّة باستشارة مختصين في مجال التّغذية للالتزام بحاجيات الفرد والتقليص من التبذير في الغذاء.

التبليغ عن التجاوزات

دعا المعهد الوطني للاستهلاك وكذلك وزارة التجارة الى ضرورة أن يقوم المستهلك بالتبليغ على التجاوزات التي يتم تسجيلها في رمضان لدى مصالح المراقبة الاقتصادية أو لدى أيّة جهة رقابية أخرى الشرطة البلدية وادارة حفظ الصحة وحماية المحيط، وتؤكّد آخر الأخبار أنّ العمل يجري حاليا لإعداد مشاريع قوانين لسلامة المنتجات الغذائية ولتسهيل أعمال الرقابة وحفاظا على صحّة المستهلك.

قراءة 7876 مرات
(0 أصوات)
قيم الموضوع
الدخول للتعليق