الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018
الإتجار بالبشر في تونس : النّساء والأطفال على رأس القائمة

الإتجار بالبشر في تونس : النّساء والأطفال على رأس القائمة

كشفت دراسة دولية  مؤخرا تورّط أطراف تونسية في ظاهرة "الإتجار بالبشر"، حيث تمّ تسجيل عدة حالات متعلقة بالإتجار بالنساء والأطفال في البلاد، وأجريت الدراسة، خلال 4 شهور بالتعاون بين المنظمة الدولية للهجرة ووزارة العدل ، وبتمويل من وزارة الخارجية الأمريكيّة.

وتذكر الدراسة أنّ هذه الظاهرة تنتشر في عدد من الولايات التونسيّة خصوصا في مناطق الشمال الغربي باعتبارها المناطق المصدّرة للنساء العاملات بالمنازل وبالقطاع الزراعي، وأنّ "عمليّة الاتجار تمرّ بالعديد من المراحل أوّلها خطف الضحايا من بلدانهم وتهجيرهم نحو مناطق متعددة للمتاجرة بهم، وتساهم جماعات عدّة من بلدان مختلفة في تنامي الظاهرة في تونس وخاصة دول العالم العربي وإفريقيا".

ويقول "حافظ بن ميلاد"، مسؤول بمنظمة الهجرة الدولية، إنّ "الأطفال والنساء هم الأكثر تضررًا من هذه الظاهرة الخطيرة باعتبارهم ينتمون إلى الفئات المستضعفة التي تضم الفقراء والمشرّدين والعاملات بالمنازل".

النّساء والأطفال على رأس القائمة

بحسب أرقام صادرة عن وزارة الداخلية فإنّه هناك أشكال مختلفة للاستغلال أو الاتجار بالبشر وأهمها استغلال النساء جنسيا أو ما يسمى "الاستغلال في البغاء"، وقد تمّ رصد 500 حالة استغلال جنسي سنة 2015 نسبة 1 بالمائة منهم ضحاياها من الأطفال، و105 وسطاء في هذا النوع من الاستغلال نسبة 52.6 بالمئة منهم من الذكور.

كما رصدت الجهات الرسميّة المختصّة عمليّات استغلال لفتيات ونساء تونسيّات عن طريق شركات التوظيف بالخارج التي تقوم بإبرام عقود وهمية يتم فيها التغرير بالضحايا عبر إيهامهم بالعمل كمضيفات أو فنانات لينتهي بهن المطاف للعمل مرغمات في الملاهي الليلية.

إستهداف القاصرين والحالات الخاصّة

تتكوّن هذه شبكات الإتجار بالبشر من سماسرة في القرى والمدن وبخاصة في الولايات الفقيرة التي يعاني سكانها من ارتفاع عدد المعوزين ونسبة البطالة وانقطاع الأطفال المبكر عن التعليم، حيث ينشط هؤلاء في التوسط والبحث عن "معينات منزلية" في الغالب يصنّفن في خانة "القاصرات"، اللاّتي يقع قطع دراستهنّ لتبدأ مرحلة تشويه طفولتهن باستغلال حاجتهن وفقرهن وجرّهن لتحمل المسؤولية والأعمال الشاقة في الوقت الذي لازالت فيه نظيراتهن يلعبن بالدمى.

وعادة ما لا يكون همّ السماسرة إلاّ الربح المكتسب من "بيعهم" لهؤلاء الأطفال دون التفكير فيما قد يتعرّضن إليه من أشكال مختلفة للاستغلال حيث يكن في الغالب ضحايا للعنف وكل أشكال الاضطهاد التي وصلت في بعض الاحيان للقتل، إلى غير ذلك من الجرائم التي يذهب ضحيتها أطفال ونساء ذنبهم الوحيد الفقر والخصاصة.

وسواء في تونس أو في بلدان العالم الأخرى، يعتبر عصابات "تجّار البشر" الروح البشرية مجرد بضاعة تعرض لتدرّ النّقود عليهم وعلى العصابات التي تبحث عن الكسب الوفير بطرق غير شرعية، هذه العصابات التي تعمل وفق منظومة الشبكات التي طوّرت عملها في عمليّات التحيّل على الباحثين والباحثات عن العمل والحالمين بالسفر للخارج لا سيما إلى أوروبّا وبعض من دول الخليج العربي، وهذه الشبكات الخطيرة تعمل في الغالب تحت مظلّة "شركات وساطة للتشغيل" وتخفي وراءها جحيما، باعتبار أنّها تعمل بتوجيه فوقي من منظمات تنشط داخل البلاد، لكن إدارتها تكون خارج البلاد.

وقد أكّد مدير مركز تونس لحقوق الانسان والعدالة الانتقالية، الأستاذ "ابراهيم العمري" أن هذه الشبكات تعمل في مجال تهريب البضاعة والبشر في كل الاتجاهات، وقال بأن هناك جهات مشهورة كلبنان والخليج التي تستقبل الضحايا خصوصا من النساء ويقع اجبارهن على ممارسة الرذيلة مع زبائن المحلاّت المتخصصة في تقديم اللّذة تحت غطاء الملاهي والمطاعم الفاخرة والمقاهي والنوادي وغيرها من التسميات المنمقة، وأضاف أنه يتم استغلال الضحايا في الحروب كمقاتلين بالنسبة للرجال أو مقدمات لذة بالنسبة للنساء والأطفال.

غياب الأرقـام

من معوّقات البحث في هذا الموضوع، هو غياب الاحصائيات الدقيقة والأرقام الموثّقة لحصر هذه الظاهرة ومعرفة مدى انتشارها في بلادنا، وحتى الأرقام الموجودة في عديد التقارير والدراسات التي قامت بها جهات حكومية وغير حكومية ومنظمات دولية ما زالت تفتقر للدقة المطلوبة لأن عملية الإتجار بالبشر في مختلف مظاهرها تتم غالبا بطريقة سرية وفي تعتيم تام.

وقد كشفت مثلا بعض الدراسات اعالمية أنه يتم الاتجار سنويا بنحو 600 و800 ألف شخص في أمريكا فقط، ولكن تقارير أخرى تشير إلى أنّ الرقم أكبر من ذلك بكثير ويصل الى الملايين في جميع أنحاء العالم، وتقول الدراسات إنّ 14 مليون طفلة تسجّل سنويا في عداد بسبب الاغتصاب والزّواج المبكر بحسب نتائج المؤتمر الدولي للإتجار بالبشر الذي أقيم بفيينا في شهر فيفري 2014.

كما عرضت العديد من المؤتمرات الدولية التي تقام سنويا لمكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر في أشكاله المختلفة، أرقام مفزعة لكنها لا تعكس، رغم ذلك، حقيقة هذه الظّاهرة وخطورتها.
ضحايا من المهاجرين واللاّجئين؟؟؟

"الاتجار بالأشخاص" هو مشكلة عالمية على علاقة وثيقة بسياق الهجرة، وقد أثبتت دراسة أنجزتها "المنظمة الدولية للهجرة"، وكذلك تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية تمّ نشرهما مؤخّرا أن "تونس بلد منشأ وعبور ومقصد للاتجار بالاشخاص، ويشكل الرجال والنساء والأطفال بغض النظر عن سنّهم أو وضعهم الاجتماعي والاقتصادي أهدافا للمجرمين وهم يقعون ضحايا لخداعهم".

ويبرز كل من التقرير الأمريكي والدراسة الدوليّة أنّ المهاجرين غير الشرعيين يقوع بسهولة في فخ مهربي البشر، الذين يدخلونهم بعد ذلك في دوامة الإستغلال، وبالتالي يقعون ضحايا للإتجار بهم في بلدانهم مباشرة قبل مغادرتها أو يقع تجنيدهم من قبل المتاجرين في مخيمات اللاّجئين أو إثر توطينهم في البلد المضيف.

من ناحيته أفاد "مسعود الرمضاني"، نائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان بأنه تلقى اتصالات من عديد المواطنين تؤكد المتاجرة بالنساء السّوريات، اللاتي دخلن إلى تونس لاجئات، في الجنس وأطفالهن في العمل الشاق.

وأشار السيد "الرمضاني" إلى وجود تكتّم شديد على هذا الموضوع بالذات، لافتا إلى أنّ "هذا التكتّم يفسرّ غياب التقارير الشفافة والاحصائيات الدقيقة التي تعكس حقيقة ظاهرة الاتجار بالاشخاص التي تسيّرها شبكات عالمية ولوبيات مافيوزية تتاجر في كل ما هو ممنوع بحثا عن الربح الوفير".

أسباب الظاهرة

"الإتجار بالبشر" ظاهرة في مستوى الجريمة أسبابها عديدها لكن أبرزها يعود الى الوضع السياسي والاقتصادي المتدهور وحالات الفوضى أو حالات الدكتاتورية التي تجعل الفئات الضعيفة والمهمشة تلجأ الى الهجرة السرية بحثا عن العمل فيقعون في أيدي العصابات المتربصة أو تورّطونهم بالإكراه في عمليات مشبوهة داخل البلاد، حيث توظّف النساء في محلات الدعارة السرية وتفتح العيادات السرية لنزع أعضاء المخطوفين والمفقودين ويوظف الأطفال والنساء والشيوخ والمعوقون في التسوّل المنظّم من طرف شبكات تنشط ضمن هذه العصابات.

الإتفاقيات الدولية والإقليمية : حبر على ورق

صادقت تونس على أهم الاتفاقيات الدولية والإقليمية المتعلقة بمكافحة الاتجار بالبشر، وأبرزها 'اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة غير الوطنية" بمقتضى القانون عدد 63 المؤرخ في 23 جويلية 2002، وصادقت عليها تونس بموجب الأمر عدد 2101 المؤرخ في 23 سبتمبر 2002، حيث يؤكد المختصون وخبراء القانون أنّه إلى حد الآن لاتزال هذه الاتفاقيات مجرد حبر على ورق، ولعل هذا ما يفسر الفراغ التشريعي المتعلق بظاهرة الاتجار بالبشر.

وفي توضيح له، كشف مدير المرصد الوطني لاستقلال القضاء "أحمد الرحموني" أن تونس الى حدّ هذا اليوم لم تسن أو تصدر قانونا شاملا يجابه ظاهرة الاتجار بالبشر في مختلف تداعياته رغم وجود دول عربية سنت قوانين لمنع هذه الظاهرة على غرار الجزائر ودولة الإمارات العربيّة المتحدة.

وأضاف "الرحموني" أن وجوب التوجه إلى إطار قانون شامل يدخل في التزامات الدولة التونسية، لأن البروتوكول المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة الذي صادقت عليه تونس في 15 نوفمبر 2000 يلزم تونس وكل المنخرطين في هذه الاتفاقية القيام بما يتماشى وما جاء في بنودها، لافتا إلى أنّه "لا يمكن أن نعتبر أنّه توجد في تونس علاوة على الاتفاقيات الدولية قوانين تجرّم مثل هذه الظواهر الخطيرة، والتي تعتمد أساسا على المجلة الجزائية التي تجرم الدعارة والتحريض على الدعارة والتجارة بالأطفال".

وانتهى "الرحموني إلى القول: " بلادنا في حاجة ملحة الى وجود تشريع شامل لمكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر، والوقوف على حقيقة هذه الظاهرة الخطيرة هي الخطوة الأولى للتصدي لها ومكافحتها، ولا يجب الاقتصار على التقارير الاجنبية".
قانون جديد في الأفق
تتجه تونس نحو اعتماد قانون جديد يتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته، وحول هذا القانون الذي يُعرض حاليا على أنظار مجلس نواب الشعب، والرّامي إلى "منع كل أشكال الاستغلال التي يمكن أن يتعرض لها الأشخاص وخاصة الاطفال والنساء".

ويندرج مشروع القانون المرتقب في نطاق ايفاء الدولة التونسية بتعهداتها المترتبة عن المصادقة على بروتوكول منع الاتجار بالأشخاص ومعاقبة كل المتجاوزين بما يستجيب الى المعايير الدولية في مجال مكافحة هذه الظاهرة.

ومن المنتظر أن يُسهم هذا القانون في "التصدي الناجع لكل الممارسات التي من شأنها النيل من كرامة الذات البشرية ووقاية المجتمع من الأشكال الجديدة للإجرام المنظم والعابر للحدود الوطنية"، حيث من المزمع بموجب القانون إحداث "هيئة وطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص" إضافة الى إنشاء الآليات الخاصة بحماية الضحايا ومساعدتهم.

"الإتجار بالبشر" جريمة في حقّ الإنسانيّة تستدعي من بلادنا تكثيف عمليّات المراقبة الدقيقة ونشر ثقافة حقوق الانسان، وتشريك المجتمع المدني في مقاومة الظاهرة والقضاء على أسبابها، وسنّ القوانين الكفيلة باجتثاثها، والتعجيل بفضّ مشكلات الفئات الضعيفة والمهمشة عبر وضع منوال تنموي قادر على التشغيل.

أما على مستوى استغلال "الموقع الجيوستراتيجي" لتونس من طرف العصابات الدولية أو حتى التونسية، فان مراقبة الحدود وبسط النفوذ على التراب والمياه الاقليمية والتنسيق المحكم مع دول الجوار هو الكفيل بضرب هذه الظاهرة وسحق العابثين بحياة النّاس.

 

قراءة 9302 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 19 جويلية 2016 12:54
(1 تصويت)
قيم الموضوع
الدخول للتعليق