الفصل الأول من رواية دخان فوق الماء

الفصل الأول من رواية دخان فوق الماء

الباص الصغير الهارب من مناطق القتال في العراق بدأ ينزع عنه الخوف ويغادر رويدا اجواء الصراع الدامي ، هو الآن يمر على جسر حجري فوق نهر صغير نظرت " كريمه " من النافذة القريبة وقرأت كلمة إلى حلب وتحتها سهم يشير الى الطريق ، انحرف الباص الصغير في الطريق المطلوب وحلب قادمة لامحالة ، ما الذي يجعلها ومعها هذه الوجوه الشاحبة تترك بغداد الجميلة وتهرب في ظلام الليل نحو القدر المجهول : 

- ليس أمامنا سوى ان نغادر فورا إلى الشام ..
قال زوجها ، وردت عليه بوجوم :
- وهل رتبت أمر المغادرة 
هز رأسه وهو يجمع بعض ملابسه في حقيبة قديمة سوداء ، قالت من جديد وهي تنهض من سرير النوم :
...كيف ..؟
اجاب لا تقلقي لي صديق في حلب اتصلت به ، الكثير من العراقيين نزحوا اليها ..
رأى الحزن قد شع في عينيها ، أردف قائلا :
- التهديد باختطاف أبنك " حسن " ليس مزحة ، وعلينا ان نرحل قبل أن يطلع الفجر ، البلاد صارت ساحة حرب بشعة .. مارأيك ...؟
التزمت الصمت ثم وجدت نفسها تحشر بين وجوه وعيون هاربة نحو المجهول ..
الليل الطويل يمتد وصار يجثم فوق الأرض المشوية بالنيران الآزلية وثمة انهار جديدة تمر في البيوت والحقول وتصعد الى القمم العالية منها يتوسع ثوب الحزن والمرارة ليلة مرت كأنها اعوام متراكمة تركت الوجع في جسدها الذي هدهته حركة الباص عندما انحرف السائق نحو ممر ترابي وسار طويلا بعد ذاك الحادث المفجع الرهيب الذي ترك في قلبها غصة كبيرة ،الآن دخل الباص في شارع واسع نبتت على جانبيه البيوت والبنايات،قال السائق وعيناه مصوبتان على الطريق :
- هذه هي حلب ...
ثم صمت بينما العيون من داخل السيارة تلتهم حلب بشوارعها وبناياتها وبيوتها، لكل منهم قصة فيها من الحزن العميق ما يكفي ، وكل واحد منهم يلوذ بهذه المدينة الجميلة العظيمة ، يقال ان اهلها فيهم الكثير من الخصال المطلوبة في هذا الظرف الصعب ، حلب درة التاريخ ومع الموصل امبراطورية نقشت اسمها وطار صيت حاكمها كما غرد شاعرها الحمداني ، هذه حلب قالت وهي تنظر الى البيوت النظيفة والوجوه المشرقة ، كان ثمة شعور ينتابها لا تعرف كيف تفسره " كريمه " لم تسافر خارج العراق ، هي لم تفكر ابدا ان تكون خارج بغداد الا ماندر عندما كانت تغادر مع زوجها لزيارة اهله في البصرة وتعود بسرعة كأن حبلها السري مربوط الى بغداد ، ولكنها الآن في حلب المدينة الجميلة المليئة بفواصل التاريخ ، مرت على أودية وحقول مترامية وصولا الى هذه القلعة البارزة الرائعة المعمار وهي تروي فواصل أحداث مهمة دارت فوق هذه الأرض ، وهي تتابع المشهد الجديد لحركة العربات والناس حيث صارت الأشياء تكبر وتتوضح ، حاولت ان تطرد صورة الحادث المأساوي من ذهنها لكنها ظلت تستعيد ما حصل والوجوم يسيطر عليها ، سار فوق هذه الطرقات من قديم الزمان مئات من الجنود الرومان ودارت فوق هذه الأرض معارك بين فرسان بني حمدان وخصومهم الطامعين بكل ما عليها ،الكثير من تلك الآثار والوقائع قد اندثر وهذه حال تبدل الازمنة ،لم تستغرب " كريمه " ولها إطلالة بسيطة على التاريخ والصحافة ان تكون هذه الآمكنة التي تمرّأمامها قد دارت فوقها معارك عنيفة ، ربما هنا التحم الجنود في كرّ وفرّ وسقط على هذه الأرض الكثير من القتلى والجرحى وبعد معركة مذهلة تشيب لها الرؤوس يتم تجميع الأسرى ، هي قرأت ذلك وظل عالقا في ذهنها كيف قفز الفارس ابا فراس الحمداني بفرسه من سقف القلعة وهرب من الأسر " اقول وقد ناحت " والنواح يتواصل وهي لا تدري ما تخبئه لها الأيام في حلب ....!

يتبع

 

قراءة 349 مرات
(1 تصويت)
قيم الموضوع
الدخول للتعليق