الإثنين، 19 فيفري 2018
عَثَرات في طريق إصلاح التعليم المصري

لعلي أجد من يتفق معي بأن مشروع تطوير التعليم المصري ، لا يزال مجرد فكرة في الخيال ، وحُلم يُنتظر تحقيقه، وإنه لن يتحقق طالما بقيت آليات التعليم الهش تعاني الصدأ والحُطام ، ومن المؤسف أن تظل المنظومة التعليمية المصرية ، منظومة عقيمة الثقافة ، بائسة الفكر ، بطيئة في الترقِي ، تشتكي خُلوها من الحيوية وتعدد المعارف والعلوم الحديثة ، فهي منظومة فقيرة لا تبحث عن موهوبين ولا ترعاهم .

ومنذ سنوات وأنا أنظر بعين النقد والرفض ، مستنكراً الجهود الضائعة لأجل ترقيع وسمكرة التعليم ، الذي لم يعد قادراً علي صُنع مُتعلم مبدع ، طالما أن مجرد تحقيق النجاح فقط ، وليس التفوق ، أصبح هو الهدف الأسمي لدي كثير من الطُلاب .

وطالما يذهب المعلم لبيت الطالب ليُعطيه درساً نظير المال ، وطالما اُتيح الغِش بالمدارس سِراً وعَلانية ، مع إستمرار تجرأ الطالب علي مقام اُستاذه بالكلمات والحركات الساخرة ، وبقاء الإعلام المصري مُراعياً لسياسة السُخرية من شخصية المُعلم ، بزعم إنعاش كوميدياه البذيئة ، فإننا لن نرتقي أبداً .

وفي فترة الستينيات ، إعتاد أحد معلمي الأرياف أن يركب حماره ذاهباً لمدرسته ، ما إن ينزل عند باب المدرسة ، حتى ينادي علي أحد التلاميذ ، ويأمره بسحب الدابة إلي حقله ، وتسليمه للمزارع بأرض ذلك المعلم ، لكي يُطعمه من البرسيم ، وكانت الفرحة تغمر الطلاب الكارهين للتعليم ، بمهمة سحب الحمار، لأن المعلم كان يسمح لهم باللعب خارج المدرسة ، ولا يعاقبهم لعدم حضورهم ، وإستمرت عادة سحب الحمار ، من المدرسة إلي الحقل ، ومن الحقل إلي باب المدرسة ، لسنوات طويلة ، حتي تسبب ذلك في تسرب الكثير من التعليم ، بسبب اُستاذهم الذي ضلَلهم ولم ينصحهم بخير!!

ثم لم يكن السجن لمُدِةْ سنة ، هو العقاب الكافي للمعلم الذي أقدم علي إطعام تلامذته ، البرسيم الأخضر، بإحدي مدارس صعيد مصر ، لمُجرد تقصيرهم في عمل واجباتهم المدرسية .

وذات مرة ، فوجئت طالبة الإعدادية بمُعلم درسها الخصوصي ، وقد إتكأ علي الأريكة بالحجرة ، ودخل في حالة نوم عميق ، بعدما أعطاها مسألة لحلها ، مما دفع  الطالبة أن تنهض وتخبر والدتها بنُعاس معلمها ، فأمرتها والدتها بأن تُطفي الأنوار وتُغلق الباب علي المعلم ، كي يستريح من إجهاده ، وبعد فترة من الوقت إستيقظ المعلم ليُفاجئ بما حدث ، فإعتذر - حرجاً - لأهل البيت عما بدر منه، ولو أن لهذا المعلم راتباً يكفي متطلباته وأُسرته ، ما إستقطع من صحته وعافيته وأنفاسه.. ليوُصِل ليْلَهُ بنهارِه ، معطاءً للدروس ، جامعاً للأموال !!

ومُعلم آخر كان يذهب إلي بيت تلميذة بالصف الرابع الإبتدائي ليعطيها درساً خاصاً ، في تمام الساعة الخامسة والنصف صباحاً ، أي بعد مطلع الفجر بقليل، وقد حرم المسكينة - ذوالتسعة أعوام - من النوم الذي تشتهيه ، وأجلسها في برد الشتاء وهي كارهة للدرس ، ما بين نائمة وشاردة وفاقدة للتركيز ؟ّ!

وذات مرة كان معلم الكيمياء يشرح لطلاب الثانوية العامة ، درساً عن الفرن العالي ، فأشار أحد المشاغبين علي الشحنة الموجودة بداخل الفرن ، وسأله قاصداً مضايقته :" ما هذه ؟!" رغم عِلْمُه بمُسماها ، فأجابه المعلم ساخراً " هذه راقصة " ، فإرتفعت قهقهات طلاب الفصل بسبب التعليق المُعيب لمُعلمهم !!

وكان هناك مُعلم ، ينتمي لعائلة اسمها " الجحش " ، وذات مرة دخل زميل لهذا المعلم علي طلاب الفصل ، وسألهم ضاحكاً " هل تعرفون المعلم الوحيد بالمدرسة الذي له ذيل ؟!" فأجابوه " إنه الأستاذ فلان" ، فيا آسفي علي هذا المعلم الذام في زميله ، إنه أحوج لأن يتجرَع كئوساً من التربية والتهذيب ، ليتأدَب قبل أن يُصبح مُؤدِباً .

ومن الكوارث الإمتحانات ، تعمد إدارات المدارس إطعام أفواه المراقبين علي الإمتحانات ، كنوع من التودد لهم ، ليُسهلوا الغش ونقل الإجابات للممتحنين ، ومن العجائب أن يدخل طالب إمتحانات الدور الثاني في سبعة مواد دراسية ، فيتساهل معه المراقبون ويقدموا له ولغيره الإجابات ، فينجح .. وهذه طالبة أخري ، تدخل إمتحانات الدور الثاني لتمتحن في مادة واحده فيُعاكسها الحظ ولا يُسمح لها بالغش.. فترسُب !!

ومن الأمور التي تؤلم نفس كل مُصحح ، هو تنقية أجوبة الطلاب من بين خطوطهم السيئة ، التي لا تُقرأ ولا تُفهم ، وكأنك تبحث عن إبرة وسط كوم قش ، فالمصححون يتعثرون ليجدوا أشباه إجابات ، وليس إجابات نموذجية وافية ، مجرد أشباه للإجابات الصحيحة ، لتُحْسب صحيحة ، فيُعطوا أصحابها بعض الدرجات التي تؤهلهم للوصول إلى قطار النجاح ، ولو رُوعِيَ العدل والمصداقية ، لما نجحوا !!

لقد صُدِمت عندما أخبرني زميل لي ، بأن مدير مدرسته الخاصة ، ابن الثمانين عاماً ، نَصَحه وحاول إقناعه بالذهاب لبيت طفل ، ليُعطيه درساً خصوصياً ، مُؤكداً له أن والدة الطفل " حلوة " !!

ومن القضايا المُهمَلة التي تهدد إصلاح التعليم هي الإبقاء علي المعلمين الذين لديهم عيوباً في النطق ، كالمعلم الذي ينطق " الخاء " وكأنها حاءً ، أو ينطق الراء كأنها " ياءً " ، مما يؤثر بالسلب علي سماع ونطق وتجويد الطلاب  للتعبيرات والألفاظ والكلمات .

أما الحقيبة المدرسية ، فهي جبل يحمله ظهر الطفل ، بما تحويها من كتب لجميع المواد الدراسية ، وكراسات ومذكرات وكتب خارجية وزجاجة مياة للشرب وآلة حاسبة وصندوق للغذاء ، وغير ذلك ، مما يُثقل ويُألم ويُفزع ظهر الطفل يومياً ، ولو أن أسرة كل طفل ، نظمت حقيبة طفلها ، بإتباع الجدول اليومي للحصص فقط ، لإنعدمت الأزمة .

قراءة 1859 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 19 سبتمبر 2017 11:10
(1 تصويت)
قيم الموضوع
الدخول للتعليق