السبت، 21 جويلية 2018
لولا الحَــرْفُ لقتلــتنا الحـــقيقة   

لولا الحَــرْفُ لقتلــتنا الحـــقيقة  

 حمّادي معمّري

لماذا نكتب ؟؟ هل نكتب ترفا أم ضرورة أم حاجة ؟ هل نكتب فقط ما يجول بالخاطر والوجدان ..؟؟ أم نبحث عن اللّحظة السّاكنة في وجع الذات لنفجّرها في وجه العبارات حروفا في شكل رصاصات محشوة بعنف اللحظة...؟؟ هل نكتب لأجل الكتابة أم لنرجسية العبارات أم لترف بلاغي .. ؟؟ أم لحاجة إنسانية بامتياز..؟؟

 نكتب لأننا في حاجة لذلك ..أكتب لأن من رحيق الحرف يولد عِطرُ الكلمات..أكتب حتى لا أنفجر في وجه الحقيقة ..أكتب لأمارس انسانيتي بامتياز .. فلولا الحرف لأمَاتتنا سياقات ازمنتنا المغالية في النفاق والبؤس في كل تلويناته..و لأن الانسان مبدع أو لا يكون و كل منا مبدع و خلاق في مجاله فالحرف هو واحد من متون عدة للسفر ..للحلم .. وللخلق .

نكتب لأننا نتنفّسُ وجعا والحروف هي ضَمّادةُ الجُروح ...والعبارة هي بلسم العليل من ألم المكان وسخط الزمان...عندما يَعْتصركَ الألمُ...ويحاصرك الحزنُ...لا تجد غير القريحة التي تكتنزُ الكبرياء والأنفة إلى آخر العمر لتنصفك وتُخرجك من صحراء التيه الى يقين الحقيقة..وحدها العبارات تحملك بعيدا .. ووحده الحرف حمّال للآلام الكامنة في زوايا الذات .. بالكلمة نلملم فتات الأنين ونركّبُ من وهج الكلمات قصصا وصورا حُبْلى بالآهات والحركات والسّكَنات ...ننفخ في الحروف إحساسا وهّاجا.. وفي العبارات رُوحا عبِقة كلها حنين للحياة .. حنين لليقين.. وفي مسامات الجُمل القصيرة تقطيع لأوصال الحزن السّاكن في أتون المفردات فهو يزوِّدُها بالإيقاع الموزون كالنّاي في عزفه الحزين . 

ليس أحلى من مخاض الكتابة إلا السّفر بعيدا عن عوالم بلا بشر ..بلا خلفيات ..بلا تلوينات و بلا تأويلات ..وما أحلى أن أكون وحيدا محاصَرا بالكلمات تتناثر الأحرفُ فوق رأسي لتفوز بمكان ما في خضم أفكاري المترنّحة المنهَكة.

ما أجمل أن تتشتت الأفكار وتتراكم المعاني ..ألعن وحيدا عنفوان اللّحظة لأني منهزم لا محالة أمام شيطان الحَرف ...كم مرّة تستنفرني الأفكار وتقضُّ مضجعي العبارات التي تتراقص أمام عينيي المغمضتين الباحثتين عن درب سالك لنوم مريح لترسم لي جملا مزهوة تتجول أمامي بخيلاء ..فأقوم مهرولا لاعِنا الأحرف و رموزها لأستجمع فلول الذاكرة المترهّلة المنهكة من بقايا نوم متقطّع من أجل أن أرسم بالكلمات فقرات قصيرة أو طويلة أشحن فيها من رصاص القلب ما تيسر ..وأشحذ في حركات العبارات ما بقي في الأنامل من عزيمة .

انه وجع الكتابة الذي يحاصرني ليلا نهارا...ينفث غباره في صدري ..أتجشم الصعاب من أجل أن انهره عن وجهي ..إلا انه من فرط إلحاحه يقنعني بأنه المصير ولا مفر من قدَري ..وحدي أواجه مصيري في لحظات كهذه ... انه أزيز الأحرف المفخَّخة بألم السنين والمثقلة بالوجع ...هاهي العبارات تنتحر على صنم الواقع.. معلنة لحظة النهاية ..نهاية مخاض الكتابة ..فإلي مخاض جديد ووجع جديد في يوم جديد....

ماذا لو لم يكن ذاك الحرف سفينة تحمل همومنا وتشق بنا عباب اللحظات الثّقيلة ..؟ ماذا لو لم نتنفّس حروفا في أبهى لحظات تجليها ؟؟ ما ذا لو لم تسعفنا الحروف والعبارات للهروب من لظى الواقع ووهج النفوس المريضة ؟

حمدا لله على فُسحة الحرف و شساعة الكلمة و رحابة صدر العبارة .. وإلا لقتلتنا الحقيقة .. حقيقة كل ما يحيط بنا من لؤم و غُبن وحماقة ؟

ليس لي غيرك أيا حرفا أسرج من خلالك ليلا ونهارا لأبوح إليك بكل ما يختلج بداخلي فأبق على العهد حتى لا يقتلنا واقعنا ويستل منا بقايا الأمل الراسب في أفنية الذات وحتى لا نبقى نمضغ تفاصيل الذكريات والحكايات القديمة .دمت وفيا أيها الحرف ودامت وجاهتكِ أيتها الكلمة ففي البدء كنتِ أنتِ و إلى المنتهى ستظلين كما أنتِ... 

 

 

قراءة 625 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 26 ديسمبر 2017 09:51
(1 تصويت)
قيم الموضوع

الموقع : www.new-media.tn

contact@new-media.tn

هيئة تحرير جريدة الاعلام الجديد الالكترونية

الدخول للتعليق