الثلاثاء، 22 ماي 2018
الحكم المحلي بالبلاد التونسية 1956-2018 : بين المركز والأطراف

الحكم المحلي بالبلاد التونسية 1956-2018 : بين المركز والأطراف

دكتور حبيب حسن اللولب 

الحديث عن الحكم المحلي وإرهاصاته ومساراته الأولى ،لابد من العودة إلى جذوره التاريخية والتي تشكلت في عهد الإيالة التونسية، وقد كانت بلدية العاصمة في السابق تحمل أسم " مشيخة تونس " و تأسست سنة 1789، وعرفت الإيالة حركة إصلاحية وتحديثية، و تغيرت فيها تسمية " مشيخة تونس " لتصبح تحت اسم " بلدية الحاضرة "، بتاريخ 30 أوت 1858 .

وتدعمت هذه الحركية بالمصادقة على دستور سنة 1861 و بدأ العمل به يوم 26 أفريل 1861 وتضمن الدستور جملة من مبادئ تمثلت في تنظيم الحياة السياسية والفصل بين السلط الثلاث والحد من سلطة الباي وإقرار مسؤوليته أمام المجلس الأكبر ومن أهم بنوده هي ضمان الالتزام بمقتضيات عهد الأمان والفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وإنشاء المجلس الأكبر المتكون من ستين عضوا لمدة خمس سنوات ومن مشمولاته أيضا وضع القوانين وتنقيحها وشرحها وتأويلها والموافقة على الأداءات ومراقبة الوزراء ودرس مشروع الميزانية وإنشاء شبكة من المحاكم تباشر القضاء.

وفي الحقيقة يعتبر أول دستور في البلدان العربية والإفريقية، وبسبب الاضطرابات التى شهدتها الإيالة المتمثلة في انتفاضة علي بن غذاهم ، وقرارالباي محمد الصادق تجميد العمل به سنة 1864، تجددت تجربة الحكم المحلي في عهد الحماية الفرنسية وقد أسست خمس عشرة بلدية في عدة مدن تونسية و التي تطور عددها ليصل إلى ثلاث وستين بلدية و كانت تقدم الخدمات للمعمرين الفرنسيين وللجالية الأوروبية واستثنت وحرمت التونسيين من الاستفادة منها .

وهذا التمييز العنصري الفرنسي ،دفع الحركة الوطنية التونسية إلى تنظيم صفوفها والنضال والمطالبة بالمساواة بين ساكني الايالة .وأمام رفض الحماية انتهجت النضال السلمي وأسست الحزب الحر الدستوري التونسي وسلكت طريق المقاومة السياسية والثقافية والاجتماعية والتعليمية و بعد نضال طويل وتضحيات توجت باسترداد واسترجاع الاستقلال في ماس 1956 عرفت الايالة ايضا انقلابا على النظام الملكي وتأسيس النظام الجمهوري يوم 25 جويلية 1957.

وتأتي هذه المقالة لاستشراف الحكم المحلي بتونس ، فما هي أنوعه ؟ وما علاقة المركز بالأطراف ؟ وهل استفادت منه البلاد التونسية ؟ وما هي التغيرات التي عرفها قبل وبعد ثورة 14جانفي 2014؟ وسنعتمد منهجي التقصي والتحليل في تتبع مسار الحكم المحلي بتونس من الدراسات والأبحاث العلمية والأكاديمية التي تناولت الموضوع والنتائج المتوصل إليها لتطويرها.

أولا- الجمهورية الأولى والحكم المحلي (1957- 2011): بين تقوية المركز وتهميش الأطراف

1-       الرئيس الحبيب بورقيبة[1] والحكم المحلي (1957-1987) :المركزية المجحفة

استرجعت البلاد التونسية استقلالها في مارس1956 بعد نضال طويل وقدمت فيه التضحيات والألاف من الشهداء وشرعت في بناء وتأسيس الدولة الوطنية ومؤسساتها وورثت نظام المركزية المجحفة من الفرنسيين و أعتمدت على تقوية المركز وتهميش الأطراف وقد تطورعدد البلديات من خمس وسبعين إلى مائة وأثنى عشر بلدية وتداعمت هذه التشريعات بالمصادقة على دستور جوان 1959 الذي تضمن أربعة وستين فصلا واعتمد النظام الجمهوري وفرق بين السلط الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية وعرف عدة تعديلات وتنقيحات ولكن ما يعاب عليه عدم اهتمامه بالحكم المحلي في فصوله .

أدخلت على الدستورعدة تشريعات وقوانين وتحسينات تهدف إلى تطويره ليواكب الأحداث والعصر ونلمس ذلك في صدورمجموعة من القوانين منها القانون الأساسي المنظم لعمل البلديات تحت عدد 33 و35 و36 لسنة 1975 والمؤرخ في 14 ماي 1975 وانتهت فترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة بزيادة في عدد البلديات وبانتخابات صورية وشكلية وبرئاسة جمهورية مدى الحياة وبضعف الحكم المحلي وبتهميش المناطق الريفية والقروية وبتغيب الشعب التونسي عن مراكز اتخاذ القرار وبتصحر وباستبداد سياسي وبتقوية المركز وتهميش الأطراف.

2- الرئيس زين العابدين بن علي والحكم المحلي (1987-2010)

   تولى زين العابدين بن علي [2] الحكم ،إثر انقلاب أبيض على الرئيس الحبيب بورقيبة، بعد عجزه عن تسيير دواليب الدولة بسب كبر سنه ومرضه يوم 7 نوفمبر1987 ،واصل سياسة النظام السابق، واعتمد على دستور جوان 1959 و قد ارتفع عدد البلديات ووصل عددها في سنة 1987 إلى مائتين وست وأربعين بلدية وقد صدرت عدة تحسينات تهدف إلى تطوير الحكم المحلي على مستوى التشريعات والقوانين ونلمس ذلك في صدور القانون الأساسي عدد 11 لسنة 1989 والمؤرخ في 4 فيفري 1989 والمتعلق بالمجالس الجهوية والتي نصت على بعث وتأسيس المجالس القروية ذات صبغة استشارية و كلفت بالاشراف على المناطق القروية والريفية والمستثنية من العمل البلدي وقد تمتعت بالصلاحيات التالية والمتمثلة في إبداء الرأي حول المسائل المطروحة والمعروضة عليه والتي تهتم المناطق القروية والريفية في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية وبالتعريف بمشاكل المتساكنين ورغباتهم ومطالبهم وبإقتراح الحلول الممكنة والمساهمة في التنفيذ البرامج المتعلقة بالنظافة وحفظ الصحة.

في هذا الاطار ايضا صدرت عدة تعديلات أخرى تتمة للتشريعات السابقة للقانون الاساسي تحت عدد 119 لسنة 1993 المؤرخ في 27ديسمبر 1993 وتدعمت بقانون آخر تحت عدد87 لسنة 1994 والمؤرخ في 29 جويلية 1994 والمتعلق بأحداث مجالس محلية للتنمية المحلية والملاحظ ان هذه التعديلات والتنقيحات القانونية لم تلامس الحكم المحلي واللامركزية ومشاغل واهتمامات المواطنين التونسين وأبقت على المركزية المجحفة .

وما يستنتج على هذه الفترة من (1957 -2011) بإنها اتسمت واتصفت بالاستبداد والتصحرعلى كافة المستويات وبالانتخابات الصورية والشكلية وبالتفاوت بين الجهات والمناطق على مستوى التنمية والبنى التحتية والخدمات والفساد والمحسوبية والبطالة والفقروالاقصاء وعدم تطبيق دستور الذي بقى حبرا على الورق . كل هذا ساهم في حراك شعبي طالب بالاصلاحات وبالتغييرالديمقرطي وأمام الرفض والاقصاء والتهميش اندلعت عدة انتفاضات مثل انتفاضة الخبز في جانفي 1984 والحوض المنجمي وبن قردان والقصرين وغيرها وتوجت بثورة 14جانفي 2011 وهروب بن علي وسقوط الجمهورية الاولى .

ثانيا- الجمهورية التونسية الثانية والحكم المحلي (2011- 2018) : التصالح بين المركز والأطراف

1- الفترة الانتقالية والحكم المحلي (2011-2014) :شعارها الديمقرطية واللامركزية

   تعتبرهذه الفترة محورية وهامة وفاصلة في التاريخ اتونسي المعاصر وحبلى بالاحداث والتطورات واتسمت بتشكيل وبتأسيس نظام جديد للجمهورية الثانية وباستشراف مستقبل تونس الجديد وقد نظمت انتخابات حرة ونزيهة في اكتوبر 2011 للمجلس التأسيسي التونسي و كلف بكتابة مشروع الدستور وتمت الاستعانة بخبراء ومختصين في القانون الدستوري والاستئناس والاستفادة من الدساتير الاجنبية التي عاشت الانتقال الديمقراطي وتوجت بكتابة الدستوروالمصادقة عليه يوم 27جانفي 2014 وهو ثالث دستور توافقي.

وقد نص على جملة من مبادىء تمثلت في التمسك بتعاليم الاسلام ومقاصده المتسمة بالتفتح والاعتدال وترسيخ الحكم والنظام الديمقراطي والتشاركي في اطار الدولة المدنية والسيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرة على مبدأ الفصل بين السلط والتوازن بينها ويعتبر دستور27 جانفي 2014 خطوة مهمة لتأسيس عقد اجتماعي بين الدولة والشعب للوصول الى دولة المواطنة تصان فيه الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية للمواطنين التونسيين وبموجبها يتم تنزيل الحكم المحلي وفي اطار التوازن بين الجهات ارتفع عدد البلديات عبرمرحلتين الأولى من ماتئين وأربع وستين الى مائتين وأربع وثمانين بلدية والثانية وصل فيها العدد الى ثلاث مائة وخمسين بلدية.  

2- دستور27 جانفي2014 والحكم المحلي : التأسيس والبناء

تتمثل مهمة دستور27 جانفي2014 في توطين الديمقراطية المحلية فأقر جملة من التدابير و المبادىء العامة والتزام الدولة بإعتماد وتطبيق نظام اللامركزية في كامل التراب التونسي وخصص له الباب السابع الذي احتوى اثني عشر فصلا وقسم السلطة المحلية الى ثلاثة أصناف (مجلس بلدي ومجلس جهوي والاقليم ) وقد صاغ الدستورجملة مبادىء ترتيبية تمثلت في بعث الجماعات المحلية ومبدأ التدبير الحر للشأن المحلي والاعتراف للجماعات المحلية بسلطة ترتيبية وتمكينها من وسائل التصرف الحر ومبدأ الاستقلالية الادارية والمالية ومبدأ التضامن ومبدأ التعاون اللامركزي ومبدأ الديمقراطية التشاركية والحوكمة المفتوحة ومبدأ ضبط اختصاصات الجماعات المحلية وعلى أساس مبدأ التفريغ ومبدأ الحوكمة الرشيدة وتسيير الشؤون المحلية ومبدأ المراقبة اللاحقة وحذف كل أنواع المراقبة الادارية المسبقة ومبدأ الاحتكام للقضاء في كل مايسبق الانشطة والقرارات الصادرة عن الجماعات المحلية والمتعلقة بها.

اعتبرت الجماعات المحلية سلطة فعلية تتمتع بصلاحيات تمكنها عمليا من تسيير شؤونها المحلية بالاستقلالية وعلى أساس تشريك المواطنين في اتخاذ القرارات وتحمل الاعباء وتقديم الخدمات الافضل واستوجبت اللامركزية إرساء منظومة تقر للجماعات المحلية بوظيفة التنمية وحسن استغلال المال العمومي والتخطيط العمراني الناجع والتهيئة العمرانية وحماية المحيط والموارد الطبيعية والتضامن بين الاجيال والفئات والجهات وكل ذلك بمشاركة المجتمع المدني وفي هذا الاطار كلف مجلس الشعب التونسي خبراء ومختصين في القانون لانجاز وكتابة مشروع مجلة الجماعات المحلية وبالاستئناس والاستفادة من التجارب الاجنبية الي عرفت الحكم اللامركزي وقدمت المجلة الى مجلس رئاسة الحكومة التونسية للمصادقة عليها والتي حولتها الى مجلس الشعب وقد صادق عليها يوم 26 افريل 2018 .

3-مجلة الجماعات المحلية والحكم المحلي :

صدرمشروع مجلة الجماعات المحلية في ثلاث مائة واثنين وتسعين فصلا وقسمت الى جزئين الأول تضمن الاحكام المشتركة والثاني الاحكام الخصوصية وشرحت وعددت صلاحيات كل من المجلس البلدي والمجلس الجهوي ومجلس الاقليم وهي ثلاثة الاولى ذاتية والثانية مشتركة مع السلطة المركزية و والثالثة منقولة بمقاربة تشاركية لتمكين قوة القانون وأقرت مجلة الجماعات المحلية بانتخاب كل من مجلس البلدي ومجلس الجهوي من قبل الشعب وأما مجلس الاقليم من قبل مستشاري المجلسين البلدي والجهوي وأكدت على الحوكمة الرشيدة والوفاق وتركيز الحكم المحلي بتطبيق اللامركزية وأقرت بدمج الريف في البلديات وانهاء التمييز والتهميش ضد الريف والمساواة بين ابناء الشعب الواحد بمنح حاملي السلاح من قوى الامن من شرطة وحرس وجيش حق التصويت في انتخابات البلدية والجهوية وبالجندرة والتناصف الافقي والعمودي.          

جاءت مجلة الجماعات المحلية بمجموعة من المؤسسات الجديدة وهي المجلس الاعلى للجماعات المحلية والتي تشرف على المجالس البلدية والجهوية والاقليم ويتم انتخابها من قبل المجلس البلدي والجهوي والاقليم واللجنة العليا للمالية و التي تشرف على الشؤون المالية وبالاضافة الى تعميم وإحداث المحاكم الادارية والاستئنافية في الجهات والتي تنظر في المسائل الخلافية الادارية وتحويل دائرة المحاسبة الى محكمة للمحاسبة .

 وما يمكن استنتاجه بأن البلاد التونسية تعيش في فترة مخاض عسيرة وتجربة جديدة منذ 14 جانفي 2011 وبالرغم من العراقيل والتعطيلات والمثبطات دامت قرابة سبع سنوات من قبل الشبكات والقوى المضادة للثورة وبارونات الفساد واللوبي الفرنسي والارهاب الموجه تحت الطلب وعلى الرغم من ذلك صدرت مجلة الجماعات المحلية في حلتها الجميلة ومهمتها تنزيل الفصل السابع من دستور 27جانفي 2014 المتعلق بالحكم المحلي على أرض الواقع وباقامة نظام جديد لللامركزية وهي تعتبر ثورة جديدة وعقدا اجتماعيا بين الدولة والشعب وعنوانها الاساسي الديمقراطية المحلية وهي صمام أمان ضد عودة الاستبداد والديكتاتورية والظلم والفساد والتهميش والمحسوبية وهدفها تأسيس دولة مواطنة يتساوى فيها ابناء الشعب في الحقوق والواجبات وأول غيثها الانتخابات البلدية ثم الجهوية والاقليمية لتنتقل البلاد التونسية بسلاسة الى تجربة جديدة عنوانه التأسيس والبناء الديمقرطية واللامركزية وهي تجربة تستحق الدعم والصبروالتوعية لانجاح النظام المحلي واللامركزية والمصالحة بين المركز والأطراف والانتقال الديمقراطي يحتاج الى حاضنة اجتماعية وتوافق لتكريس النظام الديمقراطي وبعض البلديات الريفية والقروية تحتاج الى تطبيق قانون التمييزالايجابي الذي كفله لها الدستور لانجاح تجربتها  .

 

 

 

[1] -الرئيس الحبيب بورقيبة ولد 3 أوت 1905 بالمنستير وتولى رئاسة الحكومة في 11افريل 1956 ورئاسة الجمهورية في 25جويلية 1957 وأقيل من منصبه يوم 7نوفمبر1987.

[2] -زين العابدين بن علي ،ولد في 3 سبتمبر 1936 بحمام سوسة وتولى خطة وزير أول في اكتوبر 1987 ورئاسة جمهورية (1987-2011).

 

قراءة 329 مرات آخر تعديل على الإثنين, 14 ماي 2018 10:21
(1 تصويت)
قيم الموضوع

الموقع : www.new-media.tn

contact@new-media.tn

هيئة تحرير جريدة الاعلام الجديد الالكترونية

الدخول للتعليق