الثلاثاء، 19 جوان 2018
الهايكو...قصيدة اللّحظة

 أسمهان الفالح

الإبداع ليس عمليّةً ممهّدة و لا يسيرة، بل هو دربٌ شائك تنبهر أنفاسُنا و نحن نجوس بين ممرّاته المتعرّجة، و أروقته المتشابكة، نحاول أقدَارَنا أن نُخضِعها ، و آلامنَا أن نروّضها، و آمالنَا أن نبعثهَا بحدّ الحرف و نصل الكلمة و سنّ الأبجديّة، لكن هيهاتَ...أن نُلجِم صهيل رغبتنا المتوحّشة في الظّفر بإكسير الحياة و سرّ الخلود، علّنا نصل إلى منتهى أمانينا، فيسكن الموج الهادر في نفوسنا و تبرأ من سُقامها أرواحُنا نحتا للذّات و تأصيلا للكيان.

تلك طبيعة الإبداع تحليقٌ متواصلٌ في عالم الممكنات، و سفر نحو المجهول يروم من المكبّلاتِ الخلاصَ. فهل يكمن جوهر الإبداع في التمرّد على النّواميس المسطورة كسرًا للأشكال التّعبيريّة المهترئة، و هدمًا للبنى اللغويّة المتآكلة، و نسفًا للأثقال البلاغيّة المتراكمة؟

أم أنّ الحركة الديناميّة للإبداع تستلزم القطع مع البنى و الرّؤى الكلاسيكيّة في آنٍ و الاستعاضة عنها بما يواكب روح العصر و متغيّراته؟
إثر ما يُعرفُ بالرّبيع العربيّ، هبّت نسائم الخريف منذرةً بحصاد مبكّر شوّه ملامح الفصول و ألغى تعاقبها فامتزجت الألوان و شربها الظلّ.
و أمام تضخّم المشهد المأسويّ، و تغيّر خارطة الوطن العربيّ، ضاق النّوع السّائد بالتّعبير عن لواعج أصحابه و مكنوناتهم، فكرّسوا في إطار بحثهم عمّا يخفّف من وطأة الأزمة أنواعا فنيّة متطوّرة تجمع إلى الاقتصاد اللغويّ التّكثيفَ و المفارقةَ و الايحاءَ، و لعلّ من أبرزها شعر "الهايكو" ذو المنبت اليابانيّ. تقول د.سلمى البستاني:
"الهايكو لحظة جماليّة لا زمنيّة في قصيدة مصغّرة موجزة مكثّفة تحفّز المخيّلة على البحث عن دلالاتها." و يضيف سامح درويش في نفس السّياق:
"يُعتبرُ الهايكو صبغة تعبيريّة و أفقا ممكنا للمساهمة في تحرير الشعريّة العربيّة من قبضة النّموذج الجاهز." و الجدير بالذّكر ههنا أنّ مختلف شعوب العالم ترجمت الهايكو إلى لغاتها و عملت على تجريبه لأسباب متعدّدة أهمّها: البنيويّة و الرّؤيويّة المغايرة. ممّا ينفي عن الهايكو أنّ هدفه اِيديولجيّ بالدّرجة الأولى.
تقول د. البستاني:
"أمام الجمال تنحدر الايديولوجيا و تنهار حدودها." و تضيف منبّهة إلى خصائص الهايكو: "الهايكو مشهد يبدو ساكنا لكنّه يختزن طاقة حركيّة تكمن شعريّتها في هذا اللّبس الكامن بين الصّمت الظّاهر و الحركيّة المضمرة، بين التّعبير المقتصد لغويّا و الدّلالة المطلقة ذهنيّا."
ولئن حصل شبه إجماع من طرف روّاد الهايكو و متابعيه على كونه قصيدة اللّحظة أو القصيدة الخاطفة أو البرقيّة لقدرة الهايكست على اٍلتقاط المشهد الذّي لا ينتبه إليه العابرونَ، فإنّ النّقاد العرب قد تعاملوا معه بأشكال متباينة فمنهم من نفى أن يكون الهايكو مدرسة شعريّة مستقلّة بذاتها و قد صنّفه البعض كفرع من قصيدة النّثر. أمّا الشقّ الآخر من النّقاد، فيرى أنّ ثمّة عدّة تقاطعات بين الهايكو و قصيدة النّثر: فالأوّل يتصّف ببعد تأمّلي فلسفي، أمّا الثّانية فتتميّز بسرديّات عالية.
فإلى أيّ مدى يناسب الهايكو الشّعر العربيّ؟ و ما مدى اِقترابه من الوجدان الجمعيّ؟ و هل أصبح وسيلة مناسبة للتّعبير.؟ ثمّ هل أنّ الهايكو مجرّد موجة ستنحصر مع الوقت؟

قراءة 62 مرات آخر تعديل على السبت, 19 ماي 2018 10:32
(1 تصويت)
قيم الموضوع

الموقع : www.new-media.tn

contact@new-media.tn

هيئة تحرير جريدة الاعلام الجديد الالكترونية

الدخول للتعليق